حرمت القوّة والتعزّز باللّه عزّ وجلّ دنيا وآخرة ، ويا واثقا بما في يديه قد حرمت الغنى باللّه عزّ وجلّ دنيا وآخرة .
( يا غلام ) إن أردت أن تكون متقيا متوكلا واثقا فعليك بالصبر فإنه أساس لكل خير ، إذا صحت لك النية في الصبر فصبرت لوجه اللّه عزّ وجلّ كان جزاؤه لك أن يدخل قلبك حبه وقربه دنيا وأخرى . الصبر موافقة الحق عزّ وجلّ في قضائه وقدره الذي سبق به علمه ولا يقدر أحد من خلقه على محوه ؛ ثبت هذا عند المؤمن الموقن فصبر على ما قدر عليه اختيارا لا اضطرارا .
إن الصبر في أول قدم اضطرار وفي ثاني قدم اختيار ، كيف تدعي الإيمان ولا صبر لك ؟ كيف تدعي المعرفة ولا رضا لك ؟ هذا شيء لا يجيء بمجرد الدعوى ، لا كلام حتى ترى الباب وتتوسد بالعتبة وتصبر على دوس أقدام القدر وأقدام الضرّ والنفع ، يدوس قلبك لا جسد قالبك وأنت في مكانك لا تبرح كأنك مبنج ، كأنك جسد بلا روح .
هذا الأمر يحتاج إلى سكون بلا حركة ، وخمول بلا ذكر ، غيبة عن الخلق بلا حضور معهم من حيث القلب والسرّ والباطن والمعنى . ما أكثر ما أصف ولا تستعملون ، ما أكثر ما أطول وأعرض وأشرح ولا تفهمون ، ما أكثر ما أعطيكمو لا تأخذون ، ما أكثر ما أعظكم ولا تتعظوم ، ما أقسى قلوبكم وما أجهلها به عزّ وجلّ ، لو كنتم تعرفونه وتؤمنون بلقائه وتذكرون الموزت وما وراءه لما كنتم كذلك .
أما شاهدتم موت آبائكم وأمهاتكم وأهاليكم ؟ أما شاهدتم موت ملوككم ؟ فهلا اتعظتم بهم وزجرتم نفوسكم عن طلب الدنيا وحبّ البقاء فيها ؟ هلا غيرتم قلوبكم وبدلتموها وأخرجتم الخلق منها ؟ قال اللّه عزّ وجلّ :
إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ
« 1 » .
تقولون ولا تعملون ، وكم تعملون ولا تخلصون . كونوا عقلاء ولا تسيئوا أدبكم بين يدي الحق عزّ وجلّ ، تأيدوا وتحققوا ، أنيبوا وتفكروا ، هذا الذي أنتم فيه لا ينفعكم في الآخرة ، أنتم بخلاء على أنفسكم ، لو تكرّمتم عليها لحصلتم لها ما ينفعها في الآخرة .
هامش
( 1 ) سورة الرعد آية : 11 .