تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨

المجلس الحادي والأربعون [ في المحبة في اللّه ]

وقال رضي اللّه تعالى عنه بعد كلام : اعلم أن الأشياء كلها محركة بتحريكه ومسكنة بتسكينه ، إذا ثبت هذا له استراح من ثقل الشرك بالخلق واستراح الخلق منه ، لأنه لا يعيب عليهم ولا يطالبهم بشيء مما يليه ، إنما يطالبهم بما طلبهم به الشرع فحسب ، يطالبهم شراع ويعذرهم علما . جمعا بين الحكم والعلم ، رؤية اللّه عزّ وجلّ في الخلق عقيدة لا ينقض بها الحكم ، هو المقدر وهو المطالب .
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ( 23 )
« 1 » . هذا معتقد كل مسلم موقن موحد راض عن اللّه عزّ وجلّ موافق له في أقضيته وأقداره وصنعه فيه وفي غيره ، هو غنيّ عن نفسك وصبرك ، ولكن ينظر كيف تعمل في دعواك هل تصدق أو تكذب ؟ المحبّ لا يملك شيئا ، يسلم الكل إلى محبوبه ، محبة وتملك لا يجتمعان . المحب للحق عزّ وجلّ الصادق في محبته يسلم إليه نفسه وماله وعاقبته ، ويترك اختياره فيه وفي غيره ، لا تتهمه في تصرّفه ، لا تستعجله ، لا تبخله ، يحلو عنده كل ما يصدر إليه منه ، تنسدّ جهاته ، لا يبقى له جهة واحدة . يا من يدّعي محبة اللّه عزّ وجلّ لا تكمل لك محبتك إياه حتى تنسدّ الجهات في حقك ، لا يبقى لك إلا جهة واحدة ، محبوبك يخرج الخلق من قلبك من العرش إلى الثرى ، فلا تحب الدنيا ولا الآخرة ، تستوحش منك وتستأنس به ، تصير كمجنون ليلى لما تمكنت منه المحبة خرج من بين الخلق ورضي بالوحدة وخالط الوحش ، خرج من العمران ورضي بالخراب ، خرج من مدح من مدح الخلق وذمهم ، وصار كلامهم وسكوتهم عنده واحدا ، رضاهم عنه وسخطهم عنده واحدا ، قيل له بعض الأيام من أنت ؟ قال : ليلى ؛ وقيل له أيضا : من أين جئت ؟ قال : ليلى ، قيل له : إلى أين تمر ؟ قال : ليلى . عميى عما سواها ، وطرش عن سماع غير كلامها ، لم يرجع عنها بعذل عاذل ، ما أحسن ما قال بعضهم :
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء : الآية 23 .
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 168 | عبد القادر الجيلاني