قليل الدراية إذا كان القدر لا يمكنك ردّه ولا تغييره ومحوه ومخالفته فلا ترد غير ما يريد ، إذا كان لا يأتيك إلا بما يريد فلا تريد ، إذا كان لا يريد شيئا لا يتم فلا تتعب نفسك وقلبك فيه ، سلّم الكل إلى ربك عزّ وجلّ ، تعلق بذيل رحمته بيد توبتك إليه .
فإذا دمت على هذا تزول الدنيا من عين قلبك ورأسك ، وتهون عليك مصائبها ، وترك شهواتها ولذاتها ، ولا تشكو من قرصاتها ولسعاتها تصير نفسك وألم البلاء كآسية رضي اللّه تعالى عنها زوجة فرعون لما تحقق أنها مؤمنة باللّه عزّ وجلّ أمر بها فضرب في يديها ورجليها أوتادا من حديد ، وجعل يعاقبها بالسياط ، رفعت رأسها إلى السماء .
فرأت أبواب الجنة مفتحة والملائكة تبني فيها بيتا ، وجاءها ملك الموت ليقبض روحها فقال لها : هذا البيت لك ، فضحكت وذهب عنها ألم العقوبة وقالت :
رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ
« 1 » .
فهكذا تصير أنت ، لأنك تنظر بعين قلبك ويقينك إلى ما ثم فتصبر على ما همنا من البلاء والآفات ، وتخرج من حولك وقوّتك ، ولا تأخذ ولا تعطي ولا تتحرّك ولا تسكن إلا بحول اللّه وقوّته ، تفنى بين يديه ، تسلم أمرك إليه ، توافقه فيك وفي الخلق .
فلا تدبر مع تدبيره ، ولا تحكم مع حكمه ، ولا تختر مع اختياره ، من عرف هذا الحال لا يطلب غيره ، لا يكون له أمنية سواه ، كيف لا يتمنى العاقلهذا الحال وصحبة الحق عزّ وجلّ لا تتم إلا به ؟
هامش
( 1 ) سورة التحريم آية : 11 .