المجلس الأربعون [ في التفقه في الدين ]
وقال رضي اللّه تعالى عنه يوم الأحد بكرة في الرباط رابع عشر رجب سنة خمس وأربعين وخمسمائة :
عن النبيّ صلى اللّه تعالى عليه وسلم أنه قال :
( إذا أراد اللّه بعبده خيرا فقهه في الدّين وبصره بعيوب نفسه ) .
الفقه في الدين سبب لمعرفة النفس ، من عرف ربه عزّ وجلّ عرف الأشياء كلها به تصح له العبودية والعتق من عبودية غيره ، لا فلاح لك ، لا نجاة لك حتى تؤثر على غيره ، تؤثر دينك على شهواتك ، وآخرتك على دنياك ، وخالقك على خلقك .
هلاكك في تقديم شهوتك على دينك ودنياك على آخرتك ، وخلقك على خالقك ، اعمل بهذا وقد كفاك ، أنت محجوب عن الحق عزّ وجلّ ، لا إجابة لك ، الإجابة إنما تكون بعد الاستجابة ، إذا أجبته بالعمل أجابك في وقت سؤالك له ، وجود الزرع إنما يكون بعد الزراعة ، ازرع حتى تحصد ، قال النبيّ صلى اللّه تعالى عليه وسلم :
( الدّنيا مزرعة الآخرة ) .
ازرع هذه الزراعة بالقلب والبدن ، هو الإيمان والحراثة لها وجلب الماء إليها وسقيها بالأعمال الصالحة ، إذا كان هذا القلب فيه لين ورأفة ورحمة نبت فيه .
وإذا كان قاسيا فظا كانت أرضه سبخة والسبخ لا ينبت الزرع ، إذا زرعت على رأس جهل لا ينبت فيه قهو إلى الهلاك أقرب ، تعلم هذه الزراعة من الزراع لها ، لا تنفرد برأيك ، قال النبيّ صلى اللّه تعالى عليه وسلم :
( استعينوا على كلّ صنعة بصالح أهلها ) .
أنت مشغول بزرع الدنيا لا بزرع الآخرة ، أما علمت أن طالب الدنيا لا يفلح مع الآخرة ؟ لا يرى الحق عزّ وجلّ . إن أردت الآخرة فعليك بترك الدنيا .
وإت أردت الحق عزّ وجلّ فعليك بترك الحظوظ والخلق وقد وصلت إليه ، فإذا صح لك هذا جاءت إليك الدنيا والآخرة والحظوظ والخلق تبعا طوعا وكرها .