في بيت قرب ؤبك عزّ وجلّ زال التكلف ، فيثبت الأنس به في قلبك وتزداد حتى تأخذ بجوانبه ، تكون أولا صغيرا ثم تكبر ، فإذا كبرت امتلأ القلب باللّه عزّ وجلّ ، فلا يبقى لغيره طريق إليه ولا زاوية فيه ، إن أردت الوصول إلى هذا فكن مع امتثال أمره والانتهاء عن نهيه والتسليم إليه في الخير والشرّ والغنى والفقر ، والعزّ والذلّ عند بلوغ الأغراض وكثيرها في أمور الدنيا والآخرة ، تعمل له ولا تطالب بذرة من الأجر . تعمل ويكون قصدك رضا المستعمل وقربه .
فالأجرة تكون رضاه عنك وقربك منه دنيا وآخرة ، في الدنيا لقلبك وفي الآخرة لقالبك . اعمل ولا تنافس لا على ذرّة ولا على بدرة ، لا تنظر إلى عملك بل تكون جوارحك تتحرك بالعمل وقلبك مع المستعمل ، فإذا تم لك هذا صار لقلبك عيون تنظر بها ، صار المعنى صورة والغائب حاضرا والخبر معاينة . العبد إذا صلح للّه عزّ وجلّ كان معه في جميع الأحوال بغيره ، ويبدله وينقله من حال إلى حال يصير كله . معنى يصير كله إيمانا وإيقانا ومعرفة وقربا ومشاهدة ، يصير نهارا بلا ليل ، ضياء بلا ظلام ، صفاء بلا كدر ، قلبا بلا نفس ، وسرا بلا قلب ، فناء بلا وجود غيبة بلا حضور ، يصير غائبا عنهم وعنه .
كل هذا أساسه الأنس باللّه عزّ وجلّ كلام حتى يتم هذا الأنس بينك وبينه . أخط عن الخلق خطوة ، لاضرهم ولانفعهم فقد جربتهم ، وأخط عن النفس خطوة ولا توافقها ، وعادها في رضا ربك عزّ وجلّ وقد جربتها ، فالخلق والنفس بحران ناران ، واديان مهلكان ، اعزم وجر هذا المهلك وقد وقعت ، في الأول داء والثاني دواء اللّه ، اترك الداء والدواء والأمراض كلها أدوية عنده وبيده لا يملكها أحد سواه .
إذا صبرت على الوحدة جاءك الأنس بالواحد ، إذا صبرت على الفقر جاءك الغنى ، اترك الدنيا ثم اطلب الأخرى ، ثم اطلب القرب من المولى ، اترك الخلق ثم ارجع إلى الخالق .
( ويحك ) خلق وخالق لا يجتمعان ، دنيا وأخرى في القلب لا يجتمعان ، لا يتصوّر ، لا يصحّ ، لا يجيء منه شيء ، إما الخلق وإما الخالق ، إما الدنيا وإما الآخرة . وقد يتصوّر أن يكون الخلق في ظاهرك والخالق في باطنك والدنيا في يدك والآخرة في قلبك ، أما القلب فلا يجتمعان .
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 149
مساهمون: عبد القادر الجيلاني
ص١٤٩