المجلس الرابع والثلاثون [ في النهي عن الكبر ]
وقال رضي اللّه عنه بعد كلام :
القوم شغلهم البذل وإيجاد الراحة للخلق ، نهابون وهابون ، ينهبون من فضل اللّه عزّ وجلّ ورحمته ، ويهبونه للفقراء والمساكين المضيق عليهم ، يقضون الديون على المدينين العاجزين عن قضائه ، هم الملوك لا ملوك الدنيا ، فإنهم ينهبون ولا يهبون . القوم يؤثرون بالموجود ، وينتظرون المفقود .
يأخذون من يد الحق عزّ وجلّ لا من أيدي الخلق ، اكتساب جوارحهم للخلق واكتساب قلوبهم لهم ، ينفقون للّه عزّ وجلّ لا للهوى وأغراض النفس لا للحمد والثناء .
دع عنك التكبر على الحق عزّ وجلّ وعلى الخلق فإنه من صفات الجبارين الذين يكبهم اللّه عزّ وجلّ على وجوههم في نار الجحيم ، إذا أغضبت الحقّ عزّ وجلّ فقد تكبرت عليه ، إذا أذن المؤذن فلم تجبه بقيامك إلى الصلاة فقد تكبرت عليه ، إذا ظلمت أحدا من خلقه فقد تكبرت عليه ، تب إليه وأخلص في توبتك قبل أن يهلكك بأضعف خلقه كما أهلك نمروذ وغيره من الملوك لمّا تكبروا عليه .
أذلهم بعد العز ، أفقرهم بعد الغنى ، عذبهم بعد النعيم ، أماتهم بعد الحياة ، كونوا من المتقين .
الشرك في الظاهر والباطن ، الظاهر عبادة الأصنام ، والباطن الاتكال على الخلق ورؤيتهم في الضرّ والنفع ، وفي الناس من تكون الدنيا بيده ولا يحبها ، يملكها ولا تملكه ، تحبه ولا يحبها ، تعدو خلفه ولا يعدو خلفها ، يستخدمها ولا تستخدمه ، يفرّقها ولا تفرقه ، قد صلح قلبه للّه عزّ وجلّ ولا تقدر الدنيا تفسده ، فيتصرف فيها ولا تتصرف فيه ، ولهذا قال النبيّ صلى اللّه تعالى عليه وسلم :
( نعم المال الصالح للرّجل الصّالح ) .
أو قال ( لا خير في الدنيا إلا لمن قال هكذا وهكذا ، ) وأشار إلى أنه يفرّقها بيديه في وجوه البرّ والصلاح ، اتركوا الدنيا في أيديكم لمصالح عيال الحق عزّ وجلّ ، وأخرجوها من قلوبكم فلا جرم لا يضركم ، ولا يغركم نعيمها وزينتها ، فعن قريب تذهبون وتذهب بعدكم .