القلوب ، يا مشركين بالأسباب ، يا عابدين أصنام حولهم وقواهم ومعايشهم ورؤوس أموالهم وسلاطين بلادهم وجهاتهم التي ينتهون إليها .
إنهم محجوبون عن اللّه عزّ وجلّ ، كل من يرى الضرّ والنفع من غير اللّه عزّ وجلّ فليس بعبد له ، وهو عبد من رأى ذنك منه ، فهو اليوم في نار المقت والحجاب وغدا في نار جهنم ، ما يسلم من نار اللّه عزّ وجلّ إلا المتقون الموحدون المخلصون التائبون .
توبوا بقلوبكم ثم بألسنتكم ، التوبة قلب دولة ، تقلب دولة نفسك وهواك وشيطانك وأقرانك السوء ، إذا تبت قلبت سمعك وبصرك ولسانك وقلبك وجميع جوارحك ، وتصفي طعامك وشرابك من كدر الحرام والشبهة ، وتتورّع في معيشتك وبيعك وشرائك ، وتجعل كل همك مولاك عزّ وجلّ ، تزيل العادة وتترك مكانها العبادة ، تزيل المعصية وتترك مكانها الطاعة ، ثم تتحقق في الحقيقة مع صحة الشريعة وشهادتها .
لأن كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة فهي زندقة ، فإذا تحقق لك هذا جاءك الفناء عن الأخلاق المذمومة عن رؤية سائر الخلق ، فحينئذ يكون ظاهرك محفوظا وباطنك بربك عزّ وجلّ منشغولا .
فإذا تم لك هذا : فلو جاءت إليك الدنيا بحذافيرها ومكنتك منها وتبعك الخلق بأجمعهم من تقدم ومن تأخر لم يضرّك ذلك ولم يغيرك عن باب مولاك عزّ وجلّ ، لأنك قائم معه مقبل عليه مشغول به ناظر إلى جلاله وجماله .
إذا نظرت إلى جلاله تفرّقت ، وإذا نظرت إلى جماله اجتمعت ، تخاف عند رؤية الجلال ، وترجو عند رؤية الجمال ، تنمحي عند رؤية الجلال ، وتثبت عند رؤية الجمال ، فطوبى لمن ذاق هذا الطعام .
اللهم أطعمنا من طعام قربك ، واسقنا من شراب أنسك .
و
آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ
« 1 » .
هامش
( 1 ) سورة البقرة الآية : 201 .