القوم صبروا مع اللّه عزّ وجلّ ولم يصبروا عنه ، صبروا له وفيه ، صبروا ليكونوا معه ، طلبوا ليحصل لهم القرب منه ، خرجوا من بيوت نفوسهم وأهويتهم وطباعهم واستصحبوا الشرع معهم ، وساروا إلى ربهم عزّ وجلّ فاستقبلتهم الآفات والأهوال والمصائب والغموم والهموم والجوع والعطش والعرى والذل والمهانة ، فلم يبالوا بها ولم يرجعوا عن سيرهم ولم يتغيروا عما هم عليه ، وهم إلى قدّام لا يفتر سيرهم ، لا يزالون كذلك حتى يتحقق لهم بقاء القلب والقالب .
( يا قوم ) اعملوا للقاء الحق عزّ وجلّ واستحيوا منه قبل لقائه . حياء المؤمن من اللّه عزّ وجلّ ثم من خلقه ، إلا فيما يرجع إلى الدين وخرق حدود الشرع ، فإنه لا يحل له أن يستحى ، بل يتواقح في دين اللّه عزّ وجلّ ويقيم حدوده ويمتثل أمره عزّ وجلّ .
وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ
« 1 » .
ومن صحت تبعيته للرسول صلى اللّه عليه وسلم ألبسه درعه وخوذة ، وقلده بسيفه ، ونحله من أدبه وشمائله وأخلاقه ، وخلع عليه من خلعه ، واشتدّ فرحه به كيف هو من أمته ، ويشكر ربه عزّ وجلّ على ذلك ، ثم يجعله نائبا له في أمته ودليلا وداعيا لهم إلى باب الحق عزّ وجلّ ، كان هو الداعي والدليل ، ولما قبضه الحق عزّ وجلّ أقام له من أمته من يخلفه فيهم .
وهو آحاد أفراد من كل ألف ألف إلى انقطاع النفس واحد ، يدلون الخلق ويصبرون على أذاهم مع دوام النصح لهم ، يتبسمون في وجوه المنافقين والفساق ويحتالون عليهم بكل حيلة حتى يخلصوهم مما هم فيه ، ويحملوهم إلى باب ربهم عزّ وجلّ ، ولهذا قال بعضهم رحمة اللّه عليه : لا يضحك في وجه الفاسق إلا العارف ، يضحك في وجهه ويريه أنه ما يعرفه وهو يعلم بخراب بيت دينه وسواد وجه قلبه وكثرة غله وكدره ، والفاسق والمنافق يظنان أنهما قد خفيا عليه ولم يعرفهما ، لا ولا كرامة لهما ، ما يخفيان عليه ، يعرفهما بلمحه ونظرة وكلمة وحركته ، يعرفهما عند ظاهره وباطنه .
ولا شك ، ويلكم تظنون أنكم تخفون على الصدّيقين العارفين العاملين ، إلى أىّ وقت تضيعون عمركم في لا شيء ؟
اطلبوا من يدلكم على طريق الآخرة يا ضلالا عنها ، اللّه أكبر عليكم يا موتى
هامش
( 1 ) سورة النور آية : 2