تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح كلمات بابا طاهر العريان — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
فتبيّن ممّا ذكر ، أنّ أكثر السائرين إلى اللّه تعالى معوّقون عنه بشيء من المكر ، فالمكر في الطريق كثير ؛ ولذا قال : رضي اللّه عنه ( في الطريق ألف بحر ) ، أي من المقامات والأحوال ، ( ولكلّ بحر ألف سفينة ) ، أي من العلوم المنجية ، والأعمال المخلّصة منه . ( وفي كلّ سفينة ماكر وحاجب ) ؛ أي من الوقوف في تلك العلوم والأعمال ، فلفظة ألف للتكثير كلفظ السبعين . ويمكن حمله على التحديد ، وقد وقع في كلام الصوفيّة ؛ كالكتّاني وغيره ، أنّ بين اللّه تعالى وبين العبد ألف مقام ، لا يصل إليه إلّا بعد قطعها . والفرق بين المكر والكيد ، أنّ الكيد أخصّ ؛ لا ختصاصه بالكفار ، والمكر أعم ؛ لشموله حال الكفر والمؤمن ، والاستدراج سيأتي حكمه . وقد علم ممّا سبق ، أنّ الممكور قد يكون بالإمهال في ظاهر النعم الدنيوية ، بالإيقاف موقفا من الطاعات والمقامات ، فكما أنّ الدنيا وشهواتها ، والنفس وصفاتها ، حجاب ومكر ؛ فكذلك المقامات والأحوال ، والعلوم والأعمال . وإنّما كنّى عن المقامات بالبحار ، لأنّ صاحبها إن لم يجاوزها هلك ، كما أنّ راكب البحر إن لم يعبره غرق ، ونجاة العبد من المقامات بأن لا يراها من نفسه ، بل من منشئها ومبدعها جلّ ذكره ، فهو الذي يعبر بحارها . وهذا العلم سفينة يعبر البحار بها ، وصحّة هذا العبور بأن لا يرى هذا العلم أيضا صفة لنفسه ، وإلّا لوقع فيما يتوهّم النجاة منه ، وهو إضافة الأشياء إلى نفسه ، وهذا نوع من المكر ؛ فلذلك قال : ( عند أهل الحقيقة . . . أنّ السفينة مكر بعينه ) . ولمّا كانت النجاة من غائلة هذا العلم بعلم آخر ، وهلمّ جرّا إلى أن ينتهي بفناء العلم ، جعل السفائن أكثر من البحار ، حتى جعل لكلّ بحر ألف سفينة . وكما أنّ البحر حجاب للحيلولة بين السالك والمقصد ، فالسفينة مكر لأنّها توهم الخلاص من الحجاب ، وهو واقع ، فالسالك لا ينجو من المهالك ، إلّا