الدائم ، ويحسبون أنّهم مهتدون ، وأهل المكر يبقى لهم وجود السير ، سير القلب ، وحلاوة الطاعة ، ويبقى لهم الازدياد ، فيرضون بالموجود والمثبوت ، وهم بحقائق الغيب مخدوعون ، وذلك لأنّ أهل الاستدراج وكّلوا إلى الظاهر ، وأهل المكر وكّلوا إلى الباطن ، فالأوّل بالظاهر محجوب ، والثاني بالباطن محجوب ) .
أقول : فرّق في هذا الفصل بين الاستدراج والمكر ، بأنّ المستدرج محجوب بالأعمال الظاهرة ، والممكور محجوب بالأحوال الباطنة ، ولذلك حكم على أهل الاستدراج بأنّهم لا يعلمون في قوله تعالى :
سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ
[ الأعراف : الآية 182 ] ، وعلى أهل المكر بأنّهم لا يعرفون لتعلّق العلم بالظاهر ، والمعرفة بالباطن .
فالمستدرج راض بقيام العادة في العبادة ، وخال سرّه عن الأحوال ، التي هي موارث الأعمال ، فهو مغرور بحسبانه أنّه مهتد ، والممكور وإن كان له من الأحوال نصيب ، ومن سير القلب وحلاوة الطاعة حظّ ، لكنّه محجوب عن الازدياد في حاله ، لرضاه بما وجد ممّا آتاه اللّه من الأحوال ، وهو مخدوع بحقائق الغيب ؛ أي منقوص الحظّ منها .
وقال : ( حقيقة الاستدراج المكر ) .
أقول : أي هو نوع من المكر .
وقال : ( الاستدراج للدارجين ) ، أي السالكين .
وقال : ( والمكر للبالغين ) ، أي الواصلين .
وقال : ( الإركان إلى المعلوم حال الدارجين ، وإلى المعدوم حال البالغين ) .
أقول : أي سكون القلب إلى المعلوم من الرزق حال المستدرجين من السالكين ، وإلى المعدوم حال الممكورين من الواصلين .