وقال : ( من نظر في وقته إلى وقته فاته وقته ) .
أقول : بيّن بهذا الفصل سبب فوت الحال ، وهو النظر إليه ، لا إلى من أنزله إليه ، لأنّ الناظر إلى المحوّل في حاله لا يفوته الحال .
وقال : ( الفطنة حفظ الوقت ، والكياسة معرفة الوقت ) .
أقول : الوقت الأوّل بمعنى الحال الخاصّ ، والثاني بمعنى الحال العامّ ، أي الفطن الحقيقيّ هو الذي يحفظ حاله الذي بينه وبين الحقّ ، برعاية آدابه وشرائطه ، والكيّس من يعرف الأحوال والآداب المتعلّقة بها ، فالفطنة أخصّ من الكياسة ، إذ لا يتمّ الحفظ إلّا بالمعرفة .
وقال : ( من غاب عن نفسه في وقته فوقته له ، ومن نظر في وقته من وقته إلى نفسه فوقته عليه ) .
أقول : فرّق بين الحال الذي هو في تصرّف صاحبه ، وبين الحال المتصرّف فيه ؛ بأنّ من غاب في حاله عن حظّ نفسه منه ، كان الحال له ، أي في تصرّفه ، ومن نظر فيه منه إلى نفسه ، أي طلب حظّها منه ، كان الحال له ، مسيطرا عليه ، وهو في تصرّفه .
بيان الجمع والتفرقة
قال : ( الجمع سرّ الجامع ، والتفرقة علمه ) .
أقول : الجامع اسم من أسماء اللّه تعالى ، وسرّه معنى « كنت كنزا مخفيّا » « 1 » ، حيث « كان اللّه ولم يكن معه شيء » « 2 » ، والتفرقة في هذا الجمع بروز الذات الواحدة ، من وحدة الجمع إلى كثرة تفرقة الأسماء ، والصفات ، والأفعال ، وهذه التفرقة كانت في عالم الأمر علما ، فصارت في عالم الخلق عينا ، فلذلك قال : ( الجمع سرّ الجامع ) ، و ( التفرقة علمه ) إشارة إلى أصلهما .
هامش
( 1 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 2016 ) [ 2 / 173 ] .
( 2 ) هذا الحديث سبق تخريجه .