تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نحو القلوب — صفحة 638

مساهمون:

ص٦٣٨
هذه الأحوال كما هو واضح خلاصتها حمل الشئ ونقيضه . فكما يحدث في نحو الظاهر ذلك يتم في نحو الباطن أيضا . والواقع أنه حتى في الحب البشرى في كل العصور فإن معاناته تعرف هذا التناقض . العذاب العذب ، والشقاء الشيق ، وهنا مكمن الصراع فيه . فما بالك بالحب الأسنى الذي غايته أن يظل هذا القلب المحب يتقلب بين إصبعين من أصابع الرحمن حتى يتم النقاء والصفاء ، ويتجرد القلب من كل الغير والسوى ، ويمتحن بالسراء والضراء كي يذوب في نهاية الأمر في الإدارة والتصاريف الإلهية ويصبح مرآة مجلوة من كل كدر . ديدن هذا الحب إذا هو اجتماع الشئ ونقيضه ، فهو مثلا في أقصى درجات التنعم بالوصال تنتابه مشاعر القلق والاضطراب ، فهو يعلم أن كل شئ إلى زوال . . وعما قريب تنسحب كل نسائم هذا القرب لتحل محلها هواجم الفراق ونذر البعاد . . إنه ابتلاء مضمن لا تحتمله وتصبر عليه وتنجو منه إلا قلوب الأفذاذ ( العارفة ) بأسراره ومراميه . عن هذه التربية يحدثنا القشيري في واحدة من وصاياه للمريدين . « واعلم أن أضر الأشياء بالمريد استئناسه بما يلقى « * » إليه في سره من تقريبات الحق سبحانه له ومنته عليه ، فيظن أنه متفرد عن أشكاله ومختص بهذا » « 1 » . ولقد رأينا أن أصدق وسيلة لنقل هذه المشاعر المتناقضة في دنيا المحبين هي أن نترك للشعر المنشأ « * * » والمنشد « * * » أن ينقل هذه الخلجات ، ونقصد بذلك أن نخرج عن النمطية التي جرت عليها الشروح ، وأن نذهب
هامش
( 1 ) الرسالة ص 201 . ( * ) بضم الياء وفتح القاف . ( * * ) بضم الميم مع فتح الشين هنا وهناك .
نحو القلوب — صفحة 638 | ابو القاسم عبد الكريم القشيري / احمد علم الدين الجندى