يفعل ذلك يترتب آدابا لكل طائفة ويفصل حقوقا وواجبات ، وهذه سمة في التأليف نراها ضرورية لكي يميز المبتدئون والسالكون بين مقام ومقام وبين حال وحال ، وبين سائر على الدرب في بدايته أو وسطه أو قرب غاياته أو عند منتهاه ، وبالتالي يكون التمييز في داخل التجمع الصوفي على أساس السبق في الفضل والوصول والاتصال . فإذا عدنا إلى باب المنادى ألفيناه يمنح « المنادى العلم المفرد المبنى على الضمة أو ما ينوب عنها » درجة الامتياز ، فهو - في نظره أقوى حالات المنادى . ولنضرب مثلين على ذلك ، ولنبدأ بأقوى الأقوى : فقولك « يا الله « * » » : لفظ الجلالة - علم - مفرد ( أي غير مضاف ) مبنى ( والبناء يفيد الثبات والدوام ) على الضم ( والضمة أقوى الحركات ) .
أضف إلى هذا - ما قلناه من قبل من أنه هكذا كلام مفيد في حد ذاته ، وفي غنى عن المزيد ، ثم إنك لو مددت في ( ندائك ) هذه الهاء الأخيرة لانتهيت إلى ( هو ) اسم الله الأعظم . . وأنت عند ذلك في مفتتح حلقة من حلقات ( الذكر ) تبدأ كلها - في الأغلب - على هذا النحو . .
فهذا في رأينا هو ( النداء ) المبارك ، إنه أقوى نداء . . إنه الذكر الحقيقي وتستطيع واضعا في اعتبارك الفروق بين المطلق والنسبي أن تقول إن ( يا مريد ) أو ( يا زاهد ) أو ( يا عارف ) . . وأمثالها هي من قبيل ( المنادى ) القوى . . لأنها أعلام مفردة ( غير مضافة ) مبنية . . إلخ . أما إذا ( أضفت ) هذا المنادى إلى شئ آخر فقد هبطت بدرجة المنادى إلى درجة أقل ، لأن الإضافة نسبة ، فبعد أن كان المنادى منفردا بذاته وكان له ( استقلاله ) كان علما وكان مبنيا وكان مستقلا ، وحين اعتورته الإضافة نقص حاله مثل : يا مريد الدنيا .
هامش
( * ) بضم الهاء .