تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نحو القلوب — صفحة 468

مساهمون:

ص٤٦٨
والعارف لا يسئ الأدب في الحالين ، بل يستسلم لحكم الوقت لأنه بحكم تجربته يعرف أن البسط يأتي على حسب القبض ، والقبض يأتي على حسب البسط . . ونختار قطعة من النثر الصوفي الرائع المعبر عن هذه المعاني ما يقوله الجنيد : « الخوف من اللّه يقبضني ، والرجاء منه يبسطنى ، والحقيقة تجمعنى ، والحق يفرقنى . إذا قبضنى بالخوف أفنانى عنى ، وإذا بسطنى بالرجاء ردني على « * » ، وإذا جمعني بالحقيقة أحضرنى ، وإذا فرقنى بالحق أشهدنى غيرى فغطانى عنه ، فهو تعالى في ذلك كله محركى غير ممسكى ، وموحشى غير مؤنسي . . فأنا بحضوري أذوق طعم وجودي . . . فليته أفنانى عنى فمتعنى ، أو غيبنى عنى فروحنى » ! الهيبة والأنس وهما فوق القبض والبسط في السلم العرفاني فالهيبة أعلى من القبض ، والأنس أتم من البسط . وحق الهيبة الغيبة فكل هائب غائب ، وحق الأنس صحو فكل مستأنس صاح . . فمثلا قد تبدأ المناجاة في هاتين الحالين : أنا الرب لا إله إلا أنا . . . . . وأنا عبدك خاشع متذلل بين يديك هكذا . . وعلى هذا المنوال تسرى لغة الحب حتى إذا تتالت الأنوار وتجلى الحق بالهيبة سكن العبد سكونا تاما ، وامتلأ السر بهيبة المولى سبحانه ولم يعد هناك من العبد لنفسه في نفسه . ولكون هذه الأحوال مرتبطة بالتغيرات النفسية المتعاقبة ، والتي تنثال بمقادير دقيقة فإنها في ذات الوقت إثراء للغة القاموسية ، لأنها اكتسبت طابع المصطلحات المتفق عليها بين القوم ، وتلك إحدى جلائل المعطيات التي أفرزتها علوم الصوفية ، وعادت بالنفع على الأدب واللغة بعامة . ( 3 ) الرسالة .
هامش
( * ) بتشديد الياء .