عن « الصدق » مثلا تستحضر « الكذب » على الفور كي تميز الشئ ، عن ضده . . وهكذا ، أما هذه العلاقة الثنائية في العرفان القلبي فهي موقوتة بالمقامات ، ولكن عند الدخول في الأحوال : الحب والفناء . . فالتوحيد مهم جدا ، ومن آيات اكتمال هذا التوحيد في السلوك إبعاد كل غير « * » حتى لا يبقى إلا واحد . . وهذا الواحد سبحانه هو الذي يقوم في عبده بكل التصريف وبكل أحكام القدرة ، فالمريد في الحقيقة من ليس له إرادة ! وعلامة ذلك بقاء العبد ساكنا بالله لله مع الله .
ولا نتوقع من عباد الله الذين اصطفاهم أن تكون نظرتهم إلى ممارسة الشريعة - التي هي للكافة - بنفس الدرجة وبنفس الرؤية وبنفس الجهود ، فالصلاة بعدها صلاة ، والصوم بعده صوم ، والنوافل تؤدى وزيادة . . بمعنى أن هناك ارتقاء وتشددا ، أينما وكيفما وجد المرء إلى ذلك سبيلا .
فهل نتوقع منه أن يسترخص ، أو أن يجنح إلى الأسهل ؟
لنستمع إلى شيخنا وهو يجيب عن هذا التساؤل : .
« إذا أحكم المريد بينه وبين الله تعالى عقده فيجب أن يحصل من علم الشريعة - إما بالتحقيق وإما بالسؤال عن الأئمة - ما يؤدى به فرضه ، وإن اختلف عليه فتاوى الفقهاء يأخذ بالأحوط ، ويقصد أبدا الخروج من الخلاف ، فإن الرخص في الشريعة للمستضعفين وأصحاب الحوائج والأشغال ، وهؤلاء الطائفة ليس لهم شغل سوى القيام بحقه سبحان ، ولهذا قيل :
« إذا انحط الفقير عن درجة الحقيقة إلى رخصة الشريعة فقد فسخ عقده مع الله تعالى ، ونقض عهده فيما بينه وبين الله تعالى » « 43 » .
هامش
( * ) بالتنوين .
( 43 ) الرسالة ص 198 ، 199 .