تمرس بالتجربة ، وعرف مقاساتها ومكابدتها ، وهو يستعد الآن للمزيد ، ولكن . . ما هذا الزهد ؟
إذا كان الزهد في الحرام واجبا بحكم الشريعة ، فإن الزهد هنا ينصرف إلى معظم الحلال .
يقول القشيري : « الحلال ما كان مأذونا فيه ، والحلال الطيب أن تعلم أن ذلك من قبل الله فضلا وليس استحقاقا ، والحلال الصافي ما لم ينس « * » الله فيه وهو الذي لا يكون صاحبه عن شهود ربه - عند أخذه - غافلا » « 16 » .
وهذا توضيح مهم ، لأن الباحث عن السلام الداخلي في أعماقه ينظر نظرة اشتباه إلى معظم حلال هذه الدنيا ، وإذا كان الله سبحانه قد سمى الدنيا بأسرها متاعا قليلا . . فأي زهد يكون في هذا القليل ؟ لا بد إذا من التشدد ، ومن الجدية في تمييز الأشياء ، يروى عن الحارث المحاسبي أنه « كان إذا مد يده إلى طعام فيه شبهة ضرب على رأس إصبعه عرق » « 17 » والحارث هذا « تنازل عن ثلاثين ألف دينار هي ميراثه من أبيه لأنه غير مطمئن إلى كل هذا المال » « 18 » .
ولندع القشيري وشيوخ الطريق يزيدون هذا المعنى تأكيدا :
« فإن الأكل على الغفلة حرام في شريعة الإرادة » « 19 » .
ويسأل الشبلي في زهد الدنيا فيجيب « ويلكم . . أي مقدار لأقل من جناح بعوضة حتى يزهد « * * » فيها » « 20 » .
هامش
( 16 ) اللطائف المجلد الأول ص 639 .
( 17 ) الرسالة ص 59 .
( 18 ) التعرف ص 175 .
( 19 ) اللطائف المجلد الأول ص 444 .
( * ) بضم الياء .
( 20 ) مجلة كلية الآداب جامعة الإسكندرية المجلد الثالث ص 81 .
( * * ) بضم الياء وفتح الهاء .