الصمت ، وبدأ التأمل المديد والتفكر والتدبر . . انطلق بلا حدود في سياحة لا نهائية ، وأخذ يقفز ببصيرته متنقلا في أرجاء الكون والطبيعة والإنسان ، يتابع عظمة الخالق المدبر الوهاب المنعم . . فيما خلق ودبر ووهب وأنعم . . . ، وهنا تكون الطبيعة أقرب إليه مما بعد الطبيعة ، والمتاح أقرب من البعيد المنال . معنى هذا بكلمات أخرى تتفق مع كتابنا هنا : أن العبد يبدأ بمتابعة تجليات صفات ( الفعل ) الإلهى للفاعل ( الحق ) سبحانه .
ولكن التركيز ينتهى بهذه السياحة التأملية عند ( صفة ) واحدة فقط ولتكن ( صفة ) ( المنعم ) مثلا ، وهنا تنحصر الدائرة في : إنعام الله . . ما أكثر نعم الله على عباده في السماء وفي الفضاء وفي الماء وعلى الأرض وتحت الأرض . . أشياء لا تقع تحت حصر ولا حد . . ثم إنعام المنعم على الإنسان نفسه . . أفضال متلاحقة مع كل نفس يتردد في الصدر ، بل إن هذا النفس في حد ذاته نعمة كبرى لأنه الحياة نفسها ، بل هناك نعم أخرى تغيب عن وعى الكثيرين ، وليست من قبيل المنح بل من قبيل المنع ، ولو تفكر الإنسان لعرف أن نعم المنع أكثر عددا من نعم المنح ، فمثلا : أنا هنا في هذا المكان ، وكنت أزمع أن أصل إلى المكان الفلاني ، ولكن شيئا ما صعب على الانتقال إلى هناك ، فأصابني الجزع والضيق ، ثم ما لبثت حتى جاءت الأخبار بوقوع حادثة هناك أو في الطريق إلى هناك . . حمدا لله . . لقد نجوت من الكارثة ! إن الإنسان بطبعه يفرح لما يصيبه من نعمة المنح . . كالصحة والولد والمال ولكنه قليلا ما يفطن إلى ما جنبه ربه من ويلات . . وإذا فينبغي عند أهل الصفوة الشكر لله في كل حال مهما كانت الحال : منحا أو منعا .
ونعود إلى هذا العبد الذاكر فنجده قد مضى في الدروب إلى نقطة أبعد ، إنه يتذكر ( مصدر ) هذه النعم ، إنه ( المنعم ) ، ( ذاته ) ، ويتلبث وقتا طويلا غارقا في هذا ( الوصف ) ، ويبقى كذلك ما شاء له الله أن يبقى في الذكر والتأمل والتفكر . . ما معنى هذا كله ؟
نحو القلوب — صفحة 368
مساهمون: ابو القاسم عبد الكريم القشيري
ص٣٦٨