تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نحو القلوب — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧
الفاعل على الحقيقة هو سبحانه والفعل على الحقيقة له سبحانه ، فإذا صرفنا إلى الإنسان فعلا في الكون فهذا من قبيل التسمية النسبية باعتبار الإنسان العلة القريبة أو السبب القريب ، أما لو تغاضينا عن هذه النسبية لأرجعنا الأمر كله الله ، « فكل شئ له وبه ومنه وإليه » - كما يقول القشيري . وأرجو القارئ أن يعيد قراءة هذه الجملة الأخيرة ليتضح له كيف تقوم ( الحروف ) بدور ( الرباطات ) كي تؤدى المعنى المراد الذي ينبغي استحضاره في كل لحظة . والمتصوفة بطبعهم يتذوقون هذا جيدا فتراهم لا يحثون المريدين على القول : هذه لي أو منى أو بي . . ونحوها ، لأنها في نظرهم تشير إلى دعوى النفس وأن العبد يأتي منه شئ ، والمفروض أن يتخلص أحدهم من كل دعوى وادعاء ، لأن الدعوى والادعاء في نظرهم من قبيل الشرك الخفي « 1 » ، فالمريد - على الحقيقة - من ليس له إرادة ، لأن : الإرادة بالكلية لله وحده ، ولهذا فإن لفظ « الحق » أكثر الأوصاف جريانا على ألسنة الطائفة . وبهذا التوضيح تظهر لنا أهمية الرؤية الصوفية للموضوع من كل جوانبه ، وهم يحرصون على هذه الرؤية في سلوكهم ونصائحهم ووصاياهم لأنفسهم وفي تفسيراتهم الإشارية لكتاب الله الكريم . ونشعر أن هذه النظرة الخاصة التي يتفرد بها الصوفية عن غيرهم من المفكرين كالمتكلمين والفلاسفة مثلا بحاجة إلى متابعة وتأصيل . ففي رأينا أن ذلك من أجل « * » الإضافات التي تقدمها الحقيقة للشريعة كي يتدعما في نهاية الأمر ، على عكس ما يظن البعض بدافع الجهل أو الغرض أو المرض من وجود تنافر بينهما ، وذلك الاتهام الموجه للصوفية زور وبهتان . ولنبدأ بتوضيح ذلك فيما يختص ( بالذكر الصوفي ) : أطواره ومذاقاته - وعندئذ سيصبح معنى الفقرة واضحا . إذا ما خلا الصوفي إلى ربه ، ولزم
هامش
( 1 ) انظر ( التحبير في التذكير ) تحقيق بسيوني . طبعة عالم الفكر . ( * ) بتشديد اللام وكسرها .
نحو القلوب — صفحة 367 | ابو القاسم عبد الكريم القشيري / احمد علم الدين الجندى