وتثنيتها جعلها ورؤيتها قائمة بين الضدين : بين الحس والمعنى ، بين الحكمة والقدرة ، بين العبودية « 18 » والربوبية ، بين الملك والملكوت ، بين الأثر والمؤثر ، بين الكون والمكون ، بين الخلق والحق . فلا يكون العارف كاملا حتى يبلغ إلى هذا المقام . فإن وقف مع الضد الأول كان محجوبا مطموس البصيرة ، وفيه قال المجذوب رضي الله عنه : من نظر الكون بالكون عراه العمى في البصيرة ، ومن نظر الكون بالمكون صادف علاج السريرة ، وإن وقف مع الضد الثاني كان غير صاح ، فانيا غير باق ، مجذوبا غير سالك ، فلا يكون كاملا ، وبالله التوفيق ( انظر باب معرفة علامات الإعراب ) .
ويقول الكوهنى في تجريده :
« والمعرفة خمسة أشياء : الاسم المضمر نحو : أنا وأنت ، والاسم العلم نحو : زيد ومكة ، والاسم المبهم نحو : هذا وهذه وهؤلاء ، والاسم الذي فيه الألف واللام نحو : الرجل والغلام ، وما أضيف إلى واحد من هذه الأربعة . . . » .
المعرفة بالله تظهر في خمسة أشياء . فمن عرف الله تعالى فيها فهو عارف ، ومن جهلها أو أثبتها مع الله فهو تالف .
أولها : الكنايات ، نحو : أنا وأنت . فما دمت تقول : أنا أفعل ، أو أنت فعلت فأنت جاهل مشرك . وإن غبت عنك وعن غيرك فأنت موحد عارف .
ثانيها : أسماء الأشخاص والأماكن ، فإن عرفت الله فيها فأنت عارف ، وإن أثبتها مع الله فأنت جاهل . الأكوان ثابتة بإثباته ، ممحوة بأحدية ذاته ، ما نصبت لك العوالم لتراها ، بل لترى فيها مولاها .
هامش
( 18 ) العبودية من حيث الغالب الحسى ، والربوبية من حيث المظهر المعنوي ، العبودية مرتبة على الحس البشرى ، والربوبية مرتبة على الأمر المعنوي ، العبودية ظاهرة والربوبية كامنة . والضدان يجتمعان في محل واحد مع اختلاف الجهة ( منية الفقير المتجرد ص 49 ) .