فإذا فنى عن سوء الخلق بقي بالفتوة والصدق .
ومن شاهد جريان القدرة في تصاريف الأحكام ، يقال : فنى عن حسبان الحدثان من الخلق ، فإذا فنى عن توهم الآثار من الأغيار بقي بصفات الحق .
ومن استولى عليه سلطان الحقيقة حتى لم يشهد من الأغيار لا عينا ولا أثرا ؛ ولا رسما ، ولا طللا ؛ يقال : إنه فنى عن الخلق وبقي بالحق .
ففناء العبد عن أفعاله الذميمة ، وأحواله الخسيسة : بعدم هذه الأفعال .
وفناؤه عن نفسه ، وعن الخلق : بزوال إحساسه بنفسه وبهم .
فإذا فنى عن الأفعال ، والأخلاق ، والأحوال ، فلا يجوز أن يكون ما فنى عنه من ذلك موجودا .
وإذا قيل : فنى عن نفسه ؛ وعن الخلق ، فنفسه موجودة ، والخلق موجودون ولكنه لا علم له بهم ولا به ، ولا إحساس ، ولا خبر ، فتكون نفسه موجودة ، والخلق موجودين ولكنه غافل عن نفسه وعن الخلق أجمعين ، غير محس بنفسه وبالخلق .
وقد ترى الرجل يدخل على ذي سلطان ؛ أو محتشم ، فيذهل عن نفسه ، وعن أهل مجلسه هيبة ، وربما يذهل عن ذلك المحتشم ، حتى إذا سئل بعد خروجه من عنده ، عن أهل مجلسه وهيئات ذلك الصدر « 1 » ، وهيئات نفسه ، لم يمكنه الإخبار عن شئ .
قال اللّه تعالى : « فلما رأينه أكبرنه ، وقطعن أيديهن » .
لم يجدن عند لقاء يوسف عليه السلام ، على الوهلة « 2 » ألم قطع الأيدي ، وهن أضعف الناس ، وقلن : « ما هذا بشرا » - ولقد كان بشرا - .
وقلن : « إن هذا إلا ملك كريم » - ولم يكن ملكا - .
فهذا تغافل مخلوق عن أحواله عند لقاء مخلوق ، فما ظنك بمن تكاشف « 3 » بشهود الحق سبحانه ؟ .
هامش
( 1 ) أي المحتشم ، وفي نسخة « وهيئة » .
( 2 ) البغتة .
( 3 ) أي أزيلت عنه الحجب .