الفناء والبقاء
أشار القوم بالفناء : إلى سقوط الأوصاف المذمومة .
وأشاروا بالبقاء : إلى قيام الأوصاف المحمودة به .
وإذا كان العبد لا يخلو عن أحد هذين القسمين ، فمن المعلوم : أنه إذا لم يكن أحد القسمين كان القسم الآخر لا محالة ، فمن فنى عن أوصافه المذمومة ظهرت عليه الصفات المحمودة ، ومن غلبت عليه الخصال المذمومة استترت عنه الصفات المحمودة .
واعلم أن الذي يتصف به العبد : أفعال ، وأخلاق ، وأحوال .
فالأفعال : تصرفاته باختياره .
والأخلاق : جبلة فيه ، ولكن تتغير بمعالجته على مستمر العادة .
والأحوال : ترد على العبد على وجه الابتداء ، لكن صفاؤها بعد زكاء الأعمال .
فهي كالأخلاق من هذا الوجه ، لأن العبد إذا نازل « 1 » الأخلاق بقلبه فينفى بجهده سفسافها « 2 » ، منّ اللّه عليه بتحسين أخلاقه ، فكذلك إذا واظب على تزكية أعماله ، ببذل وسعه منّ اللّه عليه بتصفية أحواله ، بل بتوفية أحواله .
فمن ترك مذموم أفعاله بلسان الشريعة يقال : أنه فنى عن شهواته .
فإذا فنى عن شهواته بقي بنيته وإخلاصه في عبوديته .
ومن زهد في دنياه بقلبه ، يقال ، فنى عن رغبته .
فإذا فنى عن رغبته فيها بقي بصدق إنابته .
ومن عالج أخلاقه ، فنفى عن قلبه الحسد والحقد ، والبخل ، والشح والغضب ، والكبر ، وأمثال هذا من رعونات النفس ، يقال : فنى عن سوء الخلق .
هامش
( 1 ) انتقل إليها .
( 2 ) حقيرها .