رأيتك مرة . فمن أنت ؟
فقلت : المستغاث باللّه ! ! صحبتك مدة . . . وخرجت عن مسكنى ومالي بسببك ، وتقطعت في المفازة بك . والساعة تقول رأيتك مرة ! !
وأما الحضور :
فقد يكون حاضرا بالحق ؛ لأنه إذا غاب عن الخلق حضر بالحق ، على معنى أنه يكون كأنه حاضر ، وذلك لاستيلاء ذكر الحق على قلبه ، فهو حاضر بقلبه بين يدي ربه تعالى ؛ فعلى حسب غيبته عن الحق يكون حضوره بالحق ، فان غاب بالكلية مكان الحضور على حسب الغيبة .
فإذا قيل : فلان حاضر ، فمعناه أنه حاضر بقلبه لربه ، غير غافل عنه ، ولا ساه ، ستديم لذكره . ثم يكون مكاشفا في حضوره على حسب رتبته بمعان يخصه الحق سبحانه وتعالى بها .
وقد يقال لرجوع العبد إلى إحساسه بأحوال نفسه ، وأحوال الخلق : إنه حضر أي رجع عن غيبته ، فهذا يكون حضورا بخلق ، والأول حضورا بحق .
وقد تختلف أحوالهم في الغيبة ، فمنهم من لا تمتد غيبته ، ومنهم من تدوم غيبته .
وقد حكى أن ذا النون المصري بعث إنسانا من أصحابه إلى أبى يزيد ، لينقل إليه صفة أبى يزيد . . . فلما جاء الرجل إلى بسطام . سأل عن دار أبى يزيد . فدخل عليه فقال له أبو يزيد : ما تريد ؟
فقال : أريد أبا يزيد .
فقال : من أبو يزيد ؟ وأين أبو يزيد ؟ أنا في طلب أبى يزيد .
فخرج الرجل ، وقال : هذا مجنون .
ورجع الرجل إلى ذي النون . فأخبره بما شهده . فبكى ذو النون وقال :
أخي أبو يزيد ذهب في الذاهبن إلى اللّه .
الرسالة القشيرية — صفحة 143
مساهمون: ابو القاسم عبد الكريم القشيري
ص١٤٣