سمعت محمد بن الحسين ، يقول : سمعت عمر بن محمد بن أحمد يقول :
سمعت امرأة أبى عبد اللّه التروغندى تقول :
لما كانت أيام المجاعة ، والناس يموتون من الجوع ، دخل أبو عبد اللّه التروغندى بيته ، فرأى في بيته مقدار منوين « 1 » حنطة ، فقال : الناس يموتون من الجوع ، وفي بيتي حنطه . .
فخولط في عقله ، فما كان يفيق إلا في أوقات الصلاة يصلى الفريضة ثم يعود إلى حالته ، فلم يزل كذلك إلى أن مات .
دلت هذه الحكاية على أن هذا الرجل كان محفوظا عليه آداب الشريعة عند غلبات أحكام الحقيقة . وهذا هو صفة أهل الحقيقة ، ثم كان سبب غيبته عن تمييزه : شفقته على المسلمين . وهذا أقوى سمة لتحققه في حاله .
ومن ذلك :
الجمع والفرق
لفظ « الجمع والتفرقة » يجرى في كلامهم كثيرا .
وكان الأستاذ أبو علي الدقاق يقول :
الفرق : ما نسب إليك .
والجمع : ما سلب عنك .
ومعناه : أن ما يكون كسبا للعبد ، من إقامة العبودية ، وما يليق بأحوال البشرية ، فهو : فرق .
وما يكون من قبل الحق ، من إبداء معان ، وإسداء لطف وإحسان فهو : جمع .
هذا أدنى أحوالهم في الجمع والفرق ، لأنه من شهود الأفعال . فمن أشهده الحق - سبحانه - أفعاله عن طاعاته ومخالفاته فهو : عبد بوصف التفرقة « 2 » ، ومن أشهده الحق - سبحانه - ما يوليه : من أفعال نفسه سبحانه ، فهو : عبد يشاهد الجمع .
هامش
( 1 ) منوين : تثنية منا : وهو مكيال مقداره رطلان .
( 2 ) التفرقة بين العابد والمعبود .