وقوم قالوا : إنه مسلم للفقراء المجردين ، الذين ترصدوا لوجدان هذه المعاني ، وأصلهم : خبر الرسول صلى اللّه عليه وسلم : « ابكوا ، فإن لم تبكوا ، فتباكوا » ، والحكاية المعروفة لأبى محمد الجريري ، رحمه اللّه ، أنه قال :
كنت عند الجنيد ، وهناك ابن مسروق وغيره ، وثم قوّال ، فقام ابن مسروق وغيره . . . والجنيد ساكن ، فقلت :
يا سيدي ، مالك في السماع شئ ؟ ! .
فقال الجنيد :
« وترى الجبال تحسبها جامدة ، وهي تمر مر السحاب » « 1 » ثم قال :
وأنت يا أبا محمد ، مالك في السماع شئ ؟
فقلت : يا سيدي ، أنا إذا حضرت موضعا فيه سماع وهناك محتشم « 2 » أمسكت على نفسي وجدى ، فإذا خلوت أرسلت وجدى ، فتواجدت .
فأطلق في هذه الحكاية « التواجد » ، ولم ينكر عليه الجنيد .
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق ، رحمه اللّه ، يقول :
لما راعى أبو محمد ، أدب الأكابر في حال السماع ، حفظ اللّه عليه وقته ، ببركات الأدب ، حتى يقول : أمسكت على نفسي وجدى فإذا خلوت أرسلت وجدى فتواجد ؛ لأنه لا يمكن إرسال الوجد ، إذا شئت ، بعد ذهاب الوقت وغلباته .
ولكنه لما كان صادقا في مراعاة حرمة الشيوخ ، حفظ اللّه تعالى عليه وقته ، حتى أرسل وجده عند الخلوة .
فالتواجد : ابتداء الوجد على الوصف الذي جرى ذكره ، وبعد هذا الوجد « 3 » .
والوجد : ما يصادف قلبك ، ويرد عليك بلا تعمد وتكلف .
هامش
( 1 ) آية 88 من سورة النمل .
( 2 ) أي مستحيا منه .
( 3 ) أي وبعد حصول هذا يحصل الوجد .