وحال الهيبة والأنس ، وإن جلتا ، فأهل الحقيقة يعدونهما : نقصا لتضمنهما تغير العبد . فان أهل التمكين سمت أحوالهم عن التغير . وهم محو في وجود العين « 1 » ، فلا هيبة لهم ولا أنس ، ولا علم ولا حس .
والحكاية معروفة عن أبي سعيد الخراز ، أنه قال :
تهت في البادية مرة ، فكنت أقول :
أتيه فلا أدرى من التيه من أنا * سوى ما يقول الناس في وفي جنسي
أتيه على جن البلاد وإنسها * فإن لم أجد شخصا أتيه على نفسي
قال : فسمعت هاتفا يهتف بي ، ويقول :
أيا من برى الأسباب أعلى وجوده * ويفرح بالتيه الدنى وبالأنس
فلو كنت من أهل الوجود حقيقة * لغبت عن الأكوان والعرش والكرسي
وكنت بلا حال مع اللّه واقفا * تصان عن التذكار للجن والإنس
وإنما يرتقى العبد عن هذه الحالة بالوجود .
ومن ذلك :
التواجد ، والوجد ، والوجود
فالتواجد : استدعاء « 2 » الوجد بضرب اختيار ، وليس لصاحبه كمال الوجد ؛ إذ لو كان لكان واجدا ، وباب التفاعل أكثره على إظهار الصفة ، وليست كذلك .
قال الشاعر :
إذا تخازرت ، وما بي من خزر « 3 » * ثم كسرت العين من غير عور
فقوم قالوا : التواجد غير مسلم لصاحبه ، لما يتضمن من التكلف ويبعد عن التحقيق .
هامش
( 1 ) أي الحق أي محيت منهم الذوات والصفات في ذات الحق تعالى .
( 2 ) استدعاء : أي طلب واكتساب .
( 3 ) خزر : صغر العين أو ضيقها .