نعته « 1 » عن البيان . فهو بين السحر والجنون ، لطيف المسالك والكمون ، كما وصفه بعض الأعراب : / خفي أن يرى ، وجلّ أن يخفى ، فهو كامن ككمون النار في الحجر ، إن قدحته أورى ، وإن تركته توارى .
203 ووجدت في بعض كتب الأدب ، قال بعضهم في وصفه « 2 » :
ذلّت له العقول ، وانقادت له النفوس . فالعقل أميره ، والنظر رسوله ، اللّحظ لفظه ، والتأوّه صمته ، مستقرّه غامض ومحلّه لطيف ؛ يتصل بأجزاء الفؤاد « 3 » وينساب « 4 » في الحركات . حديثه الهموم وإشارته النفس وإيماؤه « 5 » الضجيج . والعشق له ابتداء في المصاعدة ووقوف على غاية وهبوط في التوله « 6 » إلى غاية الانحلال في وقت الملاك . فأوّل العشق حبّ ، ثم يتمادى بصاحبه حتى يصير عشقا . وقد يعشق الإنسان من لا يدانيه في الجمال والكمال .
وإن سألوه عن حجّته لم يقم له حجّة غير قول القائل : حبك الشئ يعمى ويصمّ .
204 وقال بعض الحكماء : العشق داء / يصيب الروح ويحتوي على الجسم بمجاورة « 7 » الروح ، و ( ) لأنّه مركب من الحب والهوى بالمشاكلة والألفة . وله ابتداء وتوسط وانتهاء . وربما ينسب صاحبه إلى الجنون وهو أعقل الناس .
وينسب إلى الوسواس وهو أفصح الناس . يحمل نفسه على كل معضله ويتهوّر في كل معوزه حتّى يظفر بطلبته ( و ) ينال « 8 » بغيته .
205 وسئل منكة « 9 » الهندي ، فقيل « صف الحبّ لنا » . فقال « هو جلاء العقول وصيقل الأذهان ما لم يفرط . فإذا أفرط عاد سقما قاتلا ومرضا منهكا . لا تنجع فيه الحيل « 10 » ولا تنفذ فيه الأدواء « 11 » ، والعلاج منه زيادة فيه .
206
الفصل الثاني في قول العرب
سئل بعض الأعراب عن العشق فقال : هو أغمض مسلكا في القلب من الروح في الجسد وأملك بالنفس من النفس . بطن فظهر ، ولطف فامتنع /
هامش
( 1 ) نعمته
( 2 ) صفه
( 3 ) فوى
( 4 ) ينشاب
( 5 ) ايمانوه
( 6 ) التولية
( 7 ) محاورة
( 8 ) نيال
( 9 ) مسكة
( 10 ) الجيل
( 11 ) الأرا