عليها سليمان وأمرها فجلست . وقال للفتى « اجلس » ثم قال « اختر أحد صوتيك » فاختار قول العرجى ( بسيط ) :
تألقّ « 1 » البرق نجديا فقلت له * يا أيها البرق إنيّ عنك مشغول
بكفيك منى عدو ثائر حنق « 2 » * بكفّه كحباب [ ]
فلما غنّت شهق الفتى شهقة كادت نفسه أن تخرج . ثم خرق ثيابه فصار كأنه قبا « 3 » وأغمي عليه . فلمّا أفاق قال له سليمان « سل حاجتك » رجاء أن يسأله الجارية فيهبها له . فقال له « يا أمير المؤمنين مر لي برطل من نبيذ » فأمر له ثم قال له « اختر ثانيك » فاختار قول بعضهم ( طويل ) :
غدا يكثر الباكون منّا ومنكم * وتزداد داري من دياركم بعدا
فإن شئت حرّمت النساء سواكم * وإن شئت لم أشرب نقاخا ولا بردا
431 فشهق الغلام شهقة ثم رقى إلى قبّه لسليمان طولها خمسة وعشرون ذراعا فرمى نفسه وسقط على رأسه وخرّ ميّتا . فقال سليمان « إنا للّه وإنا إليه راجعون ، ما رأيت كاليوم . أشيروا عليّ ما أصنع بالجارية « 4 » ؟ » . فقال بعضهم « الرأي لأمير المؤمنين » قال سليمان « واللّه ما رأيت ( و ) [ ما ] في نفسي أن ترجع إلى ملكي . يا غلام ( خذ ) بيد الجارية واحملها إلى منزل الغلام مع كلّ ما لها .
فإن لم يكن لها منزل فبعها وتصدّق بثمنها عن الفتى .
432 فأخذ الغلام بيد الجارية . فلما صار في صحن الدار ، إذا بركة « 5 » قد حفرت لماء المطر طولها ثلاثون ذراعا . فوقفت الجارية على طرفها وزجّت نفسها فيها . نقضت فتعجّب سليمان من أمرها . وأمر فدفنا بين يديه .
433 هذا منتهى ذكر من قتل نفسه عشقا من الطبيعيين . فأما / الإلهيون .
فقد أعاذهم اللّه عن مثل هذه الحكايات ورفعوا عن هذه الرتبة إلى حيث لا يحسّون إلا محبوبتهم ولا يطلبون منه إلا قربه . وكانت محبتهم تحيي ولا تميت .
والفرق بينهم وبين هؤلاء أن هؤلاء وقفوا مع الوسائط ومحبّتهم كانت من حب « 6 » الطبيعة فلم يصف لهم حال وانتهت بهم إلى الموت الطبيعي .
هامش
( 1 ) تألف .
( 2 ) حتف .
( 3 ) لعله « عته » .
( 4 ) حاريه .
( 5 ) بركت .
( 6 ) يحب .