( 8 ) وأمّا قوله : « إذا عرف اللّه اتّصلت صفاته بصفات اللّه » ، فهذا أيضا في المناقضة كمثل الأوّل ، لأنّه يقول : « اتّصلت صفاته » وصفاته محدثة وصفات الحقّ قديمة . فكيف يتّصل الحدث بالقدم وهما متباينان في الأصل ؟
( 9 ) وأمّا قوله : « إذا عرف اللّه صارت ( حقيقته ) حقيقة اللّه » ، فهذا أيضا كمثل ( الأوّل ) ، فإنّ حقيقته العبوديّة والكون بعد أن لم يكن ، وحقيقة الحقّ الرّبوبيّة . فكيف يتحقّق من لم يكن فكان كمن أوجد الأكوان وكونه لم يزل ولا يزال ؟ فلو وفّق هذا القائل لقال : « إذا عرف اللّه صار متحقّقا باللّه » . وهذا كما قال الحلّاج للجنيد : « أنا الحقّ » ، فقال : « بل أنت بالحقّ أي خشبة تفسد « 1 » » . « 2 » وكذلك يكون كلام الأئمّة به دون أهل الدّعاوي الباطلة إلى مقامهم ومراتبهم .
( 10 ) وأمّا قوله : « إذا عرف اللّه سقط عنه الأمر والنّهي » . فإن كان يعرف ربّه آمرا وناهيا لعبيده ويعرف نفسه عبدا فليس يسقط عنه حكم العبوديّة ، وإن لم يكن يعرفه آمرا وناهيا فما هو بعارف .
( 11 ) وأمّا قوله : « إذا عرف اللّه جاز حكمه في ملكه » . فإن كان لهذه اللّفظة تحقيق فإنّه يجوز حكمه في ملكه بمقدار ما ملّكه وأذن له في جوازه . فإن تعدّى الإذن سقط عن حكم الأمناء وعن جواز الحكم . وهذا في الظّاهر كالعبد المأذون له من جهة سيّده يمضى حكمه في مقدار ما حكّمه وأذن له فيه .
( 12 ) وأمّا قوله : « إذا عرف اللّه صار الأمر والمشيّة إليه » . فإن كان لهذا القول صحّة فإنّه إذا وافق مشيّته مشيّة اللّه فيه ورضاه بمقدوره فيه ، لا إذا تعدّى وخرج عن حدود الأمر .
( 13 ) وأمّا قوله : « إذا عرف اللّه دفع إليه خاتمه « 3 » يحكم في عباده بما شاء » . فهذه كلمة لا حقيقة لها لأنّ اللّه [ 46 آ ] لا يحكّم في عباده - لعلّه يختم ولا بخاتم - وإنّما ملك سليمان عليه السّلام بالخاتم يحكم في عباده فلم يمنعه ذلك عن التزام العبوديّة فإنّه كان يكون في ملكه ثمّ
هامش
( 1 ) . في الأصل : تفسدها .
( 2 ) . سير أعلام النّبلاء 14 / 330 ، نقلا عن السلمي .
( 3 ) . في الأصل : حاتمه .