يجيء فيقعد مع الفقراء ويقول : « مسكين جالس مسكينا » . « 1 »
( 14 ) وأمّا قوله : « إذا عرف ( اللّه ) صارت الأشياء كلّها مباحة له » . فإن كان هو الّذي يبيحها لنفسه ممّا هو حظرها على نفسه فليس له محلّ الحظر والإباحة ، وإن كان يستبيح ما أباحه الحقّ فالخلق كلّهم معه في هذه الدّرجة .
( 15 ) وأمّا قوله : « إذا عرف اللّه صار الخلق كلّهم عبيدا له » . كيف يصيرون عبيدا له وهو عبد ؟ فإن ادّعى الحرّيّة عن عبوديّته فقد سقط عن محلّ المعرفة وخلع ربقة الإسلام من عنقه ، وإن ادّعى الحرّيّة عمّا سوى الحقّ فهو إذ ذاك يتحقّق في العبوديّة . فمتى يصير الخلق عبيدا له وهو عبد وحقيقة العبد ألّا يملك ؟
( 16 ) وأمّا قوله : « إذا عرف اللّه سقط عنه التّمييز » . كيف يسقط عنه التّمييز وهو بالتّمييز يدّعي لنفسه حال المعرفة ؟ فإن « 2 » ميّز حال معرفته من حال نكرته وجهله ، فقد أدخل نفسه في التّمييز من حيث يسقط عن نفسه التّمييز .
( 17 ) وأمّا قوله : « إذا عرف اللّه صارت المعصية له طاعة والحرام حلالا » . كيف يصير له ذلك كذلك وهو بعد في عين التّمييز يرى حلالا وحراما ؟ كيف ينقلب له هذه الأعيان إلّا بحجّة ؟ فإن ظهرت له الحجّة وهي ملازمة الشّريعة ، وإن لم يظهر له الحجّة فلا ينقلب الأعيان إلّا بحجّة أو برهان .
( 18 ) وأمّا قوله في الأرواح : « إنّ أرواحهم من روح اللّه عزّ وجلّ وذواتهم « 3 » من ذاته تعالى » ، فإنّ اتّصلت أرواحهم باللّه فلا فصل بينهم وبين اللّه وهذا متناقض في الكلام ، فإنّ حياة اللّه عزّ وجلّ من صفاته القديمة وليس حياته بالرّوح فهو الّذي أوجد الأرواح وخلقها . فإن أقرّ بأنّ الأرواح مخلوقة فالكلام متناقض ، وإن قال : « إنّ الأرواح قديمة غير مخلوقة » فقد وافق قوله قول النّصارى بل زاد عليهم .
واعلم أنّ عزّ الأرواح وفضلها على الهياكل بما خاطبها الحقّ به من سماع كلام الحقّ فتعزّزت بذلك وفضّلت على الهياكل ، فمن أجابت طوعا فهم المؤمنون ومن أجابت قهرا فهم
هامش
( 1 ) . حقائق التّفسير 2 / 187 ، ص : 35 ؛ تفسير الثّعلبي 3 / 46 ، آل عمران : 26 .
( 2 ) . في الأصل : فإنّه .
( 3 ) . في الأصل : ذاته .