فقال تعالى :
وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ
( 98 : 5 ) . والخطاب الأوّل مع عوامّ الخلق أن يترسّموا بعبوديّته ، والخطاب الثّاني مع أرباب المعارف ليخلصوا له المعاملة .
( 3 ) ولا يغترّنّ أحد بالتّأويل الباطل من قوله تعالى :
وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ
( 15 : 99 ) أنّ معناه إسقاط العبوديّة والمعاملة إذا بدا له عين اليقين ، فإنّ صحّة تأويله :
واعبد ربّك حتّى تتيقّن أنّك لا تبلغ استحقاق عبوديّته وأنّ عبادتك له منّة منه عليك أن أمرك ونهاك . وأمّا ظاهر التّأويل فيه : واعبد ربّك حتّى يأتيك الموت ، واليقين هاهنا الموت .
( 4 ) ثمّ اعلم أنّه لا يصل أحد إلى المسبّب إلّا بحفظ الأسباب وحرمة الوسائط والأدلّة .
ومتى يصل إلى المعرفة باللّه وقد ضيّع حدوده وأوامره « 1 » وترك حرمة أوليائه ؟ ومتى يصل إلى النّور الأعلى [ 45 آ ] من ضيّع النّور الأدنى ؟
ورئيس العارفين الجنيد رحمه اللّه رئي في يده سبحة ، فقيل له : « أنت ( مع علوّ حالك وشرفك ) « 2 » تأخذ بيدك سبحة ؟ » فقال : « نعم ، شيء وصلنا به إلى ما وصلنا لا نتركه أبدا » . « 3 » ورئي في المنام ، فقيل له : « ما فعل اللّه بك ؟ » فقال : « طاحت تلك الإشارات وسقطت تلك العبارات وأبيدت تلك العلوم وفنيت تلك الرّسوم ، فما نفعنا إلّا ركعات كنّا نركعها في السّحر » . « 4 »
وإمام العارفين أبو يزيد يقول : « من لم ينظر إلى شاهدي بعين الاضطرار وإلى أوقاتي بعين الاغترار وإلى عباراتي بعين الاجتراء وإلى نفسي بعين الإزراء فقد أخطأ النّظر فيّ » . « 5 »
وأبو تراب النّخشبي في جلالته يقول : « لا يكون عارفا باللّه من يكون جاهلا بأحكامه
هامش
( 1 ) . في الأصل : أمره .
( 2 ) . الزّيادة من « كتاب بيان الشّريعة والحقيقة » .
( 3 ) . « كتاب بيان الشّريعة والحقيقة » ، رقم 3 ؛ تاريخ بغداد 8 / 173 ، ذيل الجنيد بن محمد ؛ الرّسالة القشيريّة 72 ، ذيل الجنيد بن محمّد ؛ مناقب الأبرار 1 / 343 .
( 4 ) . حلية الأولياء 10 / 257 ؛ وعنه في تاريخ بغداد 8 / 176 ، ذيل الجنيد بن محمّد ؛ سير أعلام النّبلاء 14 / 77 ، ذيل النّوري أحمد بن محمّد الخراساني البغوي .
( 5 ) . حلية الأولياء 10 / 40 ؛ الوافي بالوفيات 16 / 515 ، ذيل طيفور أبو يزيد البسطامي ؛ سير أعلام النّبلاء 13 / 89 ؛ تاريخ الإسلام 21 / 112 ، نقلا عن تاريخ السّلمي .