بخدمة « 1 » وفد الحبشة قال له أصحابه : « نحن نكفيك ذلك يا رسول اللّه » فقال النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّهم كانوا لأصحابي مكرمين وأنا أحبّ أن أكافيهم » ثمّ قال بعد ذلك : « سيّد القوم خادمهم » . كنّى بذلك عن نفسه صلّى اللّه عليه وسلّم إذ كان أطلق القول فيه « 2 » ليرغب بذلك أصحابه في خدمة الإخوان والأصحاب والوفود . ويعلم يقينا أنّه لا يخطر بقلب عبد حقارة لأخيه المسلم إلّا أظلم اللّه عليه قلبه ، وشتّت « 3 » عليه همّه ، وأساءت الجوارح الظاهرة الأدب لشؤم ذلك الخاطر . ومن رزق خدمة المشايخ وحفظ حرماتهم ورّثه ذلك ثلاثة أشياء : كراهية البقاء في الدّنيا ، وبغض الإكثار منها والغنا فيها ، ويسقط « 4 » اهتمام الغد من قلبه .
( 8 ) واعلم أنّ صحبة الأولياء والأكابر خطر يؤثر فيه كلّ خاطر وعارض ، فمن صحبهم فليصحبهم كصحبة الصّدّيق رضي اللّه عنه « 5 » مع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ فإنّه ما خالفه في دين ولا دنيا ، [ 76 آ ] فسمّاه اللّه تعالى صاحبه ، حيث قال :
إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا
« 6 » ( 9 : 40 ) .
( 9 ) ومن آداب الصّحبة وتمامها ألّا يصاحب من يخالفه في الأصول والفروع ، فإنّ الفروع نتيجة الأصول ولا يغرّه « 7 » قول من يقول : « إنّ فلانا لا يخالفنا في الأصول » ، فإنّ مخالفة الأصول الخروج عن حقيقة التوحيد ، ومخالفة الفروع التّهاون بالسّنن والآداب ، ويتولّد منه ظلمة القلب وشتات « 8 » السّرّ ، « 9 » وسوء أدب الجوارح الظّاهرة والجوانح الباطنة .
ويجب أن يفرّق الإنسان بين العشرة والصّحبة ، فإنّ العشرة للوقت والصّحبة على المداومة ، وكدورة « 10 » العشرة من مجالسة « 11 » الأضداد ، كما قال أبو علي الروذباري « 12 » ممّا حكى لي عنه
هامش
( 1 ) . ر : لخدمة .
( 2 ) . ط : عنى بذلك نفسه وإن أطلق القول فيه .
( 3 ) . ط : يشتّت .
( 4 ) . ب : ينسقط .
( 5 ) . ر / ب : - رضي اللّه عنه .
( 6 ) . ر / ب : -لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا .( 7 ) . ط : يعدّ ؛ ب : يغيره .
( 8 ) . ط : وسيّآت .
( 9 ) . ب : الأمر .
( 10 ) . ط : كدور .
( 11 ) . ط : مخالفة .
( 12 ) . هو أحمد بن محمّد بن القاسم بن منصور ( م 322 ) . وهو من أهل بغداد ، سكن مصر وصار شيخها ومات بها .