وإنّ المتحقق في السّماع يسمع من الباطل حقا وغير المتحقق فيه يسمع من الحقّ باطلا ، كما ذكر عن بعض السّلف انّه سمع قائلا يقول : « يا سعترى البرّى » ، فغشى عليه . فقيل له في ذلك ، فقال : كنت حاضر القلب فسمعت كأنّه يقول : « السّاعة ترى برّى . » [ 8 ]
وإنّما يطلق السماع ويباح * لأهله ولمن ادّب ظاهره قبل ذلك بالرّياضات « 13 » والمجاهدات وباطنه بالمراعاة وعمّر أوقاته بالتأدّب بآداب السنن ولم يبق له في نفسه حظّ ولا عليه مطالبة من الكون وما فيها ، كما سمعت جدّى أبا عمر وإسماعيل بن نجيد [ 9 ] رحمة الله عليه ، يقول : « انّما يحلّ السّماع لمن كان قلبه حيّا ونفسه ميّتا ، فامّا من كان قلبه ميّت ونفسه حىّ ، فلا يحل [ له ] السماع » . [ 10 ]
وسمعت ابا عثمان المغربي [ 11 ] يقول : لا يحل السّماع والخلوة إلّا لعالم ربّانى . وسألت الامام ابا سهل محمد بن سليمان [ 12 ] رضي الله عنه عن السماع . فقال :
يستحب ذلك لأهل الحقايق ويباح ذلك لأهل الورع والنسك ويكره ذلك لمن سمعه تطربا . وأصل هذا كلّه قول اللّه تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ .
« 14 » فحقيقة القلب لمن لا نفس له مخالفة في أحواله ، وحقيقة القاء السّمع لمن اصمّ نفسه عن جميع المخالفات . فاسمع السّماع سمع لحق عن حق ، كما نشاهد . « 15 »
فمن سمع من الخائفين آية من كتاب الله أو بيت شعر فزعجته ولم يؤثر في غيره من الحاضرين والمستمعين ، والصوت واحد والقوم حضور ذلك « 16 » انّما ازعجته زيادة حال كامن فيه فقده الآخرون ، كما قال الصدّيق * الأكبر ، رضي الله عنه :
لوفد اليمن ، ممّا أخبرناه عبد الله بن محمد بن علي ، قال ثنا محمد بن إسحاق الثقفي ، قال ثنا محمد بن الحرب ، قال ثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي ، قال ثنا شعبة [ 13 ] ، قال حدثني عمرو بن مرّة ، قال : قدم ناس من اليمن على أبى بكر الصدّيق [ 14 ] ، رضى الله
هامش
( 13 ) . در أصل : بالدنيا ضاق .
( 14 ) . ق ، 37 .
( 15 ) . در أصل : لشاهد .
( 16 ) . در أصل : ولك .