الاعتذار هذه العناية ؟ !
فلما أيدت هذه الأمة بفضل اليقين ، وخصّت أولياء هذه الأمة بأجزاء من النبوة ، أعطيت صفوف الصلاة ؛ لأنه أمكنهم أن يقوموا للّه بدنا ، ويقفوا عليه قلبا ، فاتفق الظاهر والباطن ، فلم يكن قيامهم نفاقا ؛ لأن النفاق كل شيء له وجهان ، ومنه نافق اليربوع ، فإن لها بابين ، وإنما يعطي الشيء إذا أعطى خيار الأمة ، ثم يكون سائر الأمم تبعا لهم ، وينالون الحظ من ذلك لحظوط خيارهم .
وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أعطيت هذه الأمة من اليقين ما لم تعط أمة » « 1 » .
وهو قوله - تعالى - :
إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ
[ آل عمران : 73 ] الآية .
وكذلك قيل في الإنجيل : أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم حكماء علماء ، كأنهم من الفقه أنبياء ، وإنما يوصف خيارهم بذلك ، ويكون الآخر تبعا لهم .
وقيل في التوراة : أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم صفوة الرحمن ، وإنما صفت نفوسهم من كدورة الأخلاق الترابية باليقين ، حتى ذابت منها الترابية التي فيها ، بمنزلة جوهر الفضة يؤخذ من المعدن ، فيذاب حتى يزايله التراب ، ثم يذاب حتى يصفى ، ويتخذ نقرة ، ثم يذاب ويصفى حتى يصلح للضرب فيكون ثمنا للأشياء ، وأمة محمد صلى اللّه عليه وسلم حظوظهم من حظ رسولهم ، فكما أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم سيد الأنبياء ، فكذلك أمته سيدة الأمم .
وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه أعطاني خمسا : جعل الأرض كلها لي مسجدا ، وترابها لي طهورا ، وأحل لي الغنائم ، ونصرت بالرعب من مسيرة شهر » « 2 » ، فورثت أمته صفة هذه الخصال منه ، وذلك كله بفضل اليقين الذي أعطوا .
هامش
( 1 ) هذا الأثر لم أجده بلفظه فيما لدي من مصادر ومراجع .
( 2 ) ورد بلفظ : « عن جابر بن عبد اللّه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « أعطيب خمسا لم يعطهن أحد قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وأحلت لي المغاتم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة » . رواه البخاري في صحيحه ، كتاب اليتيم ، حديث رقم ( 328 ) [ 1 / 128 ] وروى الحديث غير البخاري .