تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كيفية السلوك إلى رب العالمين — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
- تعالى - وحييت ، واطمأنت نفوسهم إلى اللّه - تعالى - أمكنهم أن يقوموا للّه بدنا ، ويقوموا للّه قلبا ، فإذا نظر اللّه - تعالى - إليهم وجدهم بالقلوب وقوفا بين يدي عظمته وجلاله ، ونفوسهم مطمئنة بربوبيته ، وأبدانهم منتصبة بين يديه ، وهم الذين يدعون بهذا الاسم :
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ( 27 ) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً
( 28 ) [ الفجر : 27 ، 28 ] ، راضية عن اللّه - تعالى - مرضية ، قد رضيها اللّه - تعالى - وقبلها . قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يا أبا بكر أما إن الملك سيقولها لك عند الموت » « 1 » . فالعامة عاجزة عن بلوغ هذه الخصلة ، فلما كان العجز عن هذا ظاهرا في الأمم قبلنا ، لم تعط صفوف الصلاة ، فكانوا يقومون فرادى ؛ لأنهم لو اصطفوا وباطن قلوبهم غير مصطفة بين يدي اللّه لكان هذا نفاقا ، يعطون اللّه - تعالى - من أبدانهم خلاف ما في قلوبهم من التسليم إليه ، وكيف يكون تسليما واعتذارا وأركانه بين يديه ، ولسانه يناجيه على العادة ، وقلبه في مزايد الدنيا ، ومناها وساوس النفس ، ألا ترى إلى قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا يقبل اللّه صلاة امرئ لا يشهد فيها قلبه ما يشهد بدنه » « 2 » . فقوله : لا يقبل اللّه منه ؛ ليس على أنه لا تجزيه صلاته فيعيد ، ولكن لا يقبلها منه كاملة بنورها وبراءتها ، وميزانه الذي وضعه بين العباد ، وما ظنك برجل سمع أنه رفع إلى الملك من خبره ما لا يحسن موقعه منه ، فقصده معتذرا ، فأنفذ إليه شاكريته وخدمه ؛ ليتقوموا مقام الاعتذار ، وأقبل بنفسه على ما لا يعنيه من شهواته متشاغلا ، أليس محقوقا بالردّ والحرمان ؟ أليس من قول الملك أن يقول : أبهذا القدر يا ليت من الخبر الذي رفع إليّ ، ومن وجدي عليك ، وعنايتك من
هامش
( 1 ) رواه الطبري في التفسير [ 30 / 191 ] . وأورده السيوطي في الدر المنثور ، تفسير قوله تعالى : « يا أيتها النفس المطمئنة » وعزاه إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس [ 8 / 513 ] . وأورده الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ، في أن الحرص والاعتراض والعجلة شؤم [ 1 / 110 ] . ( 2 ) رواه الديلمي في الفردوس بمأثور الخطاب عن رجل من آل الحكم بن أبي العاص برقم ( 4840 ) [ 3 / 278 ] ولفظه عنده : « كانت بنو إسرائيل إذا خرجت خشية اللّه من قلوبهم شهدت أبدانهم وغابت قلوبهم لا يقبل اللّه صلاة أحد لا يشهد القلب فيها ما يشهد البدن » .