هذه الأشياء التي لا غنية بالآدمي عنها ، مما هو له غذاء ، أو معاش ، ثم حذّره أن يلهيه ذلك الفرح حتى يأشر ، ويبطر ، ويتعدّى الحدود .
فالكيس حسم باب الفرح عن نفسه من كل حلال أو حرام ، ومن جميع أعمال البر ، مما يجد في النفس استرواحا إليه ، وبه فرحا ، حتى ملأهما غما ، حتى طهر قلبه ، وتجلّت فيه أنوار العزيز ، الماجد ، الكريم ، على ما ذكر بديا .
وعريت الملائكة من الشهوات ، والجوارح ، والأجسام ، والأجواف ، والضرورات . فلا يحتاجون إلى طعام ، ولا شراب ، ولا كسوة ، ولكن يستكنونه من الحر والبرد . فنجت من فتن الآدميين وضروراتهم ، ومكايد العدو ، وأظهر خلقهم من التدبير بقوله :
كُنْ
« 1 » [ البقرة : 117 ] .
وعاملهم من ملك الجبروت ، ومقاومهم في ملك الجلال ، وأظهر خلقنا من يده ، وعاملنا من ملك الرأفة ، والرحمة ، ومقاومنا في ملك المحبة .
فالملائكة مجبورون على حال واحد ، لا ينفكون ولا ينقلون عنها . والآدميون خدم بين يديه عزّ وجل ، يتقلّبون من حال إلى حال ، وكل أحوالهم خدمة .
وإنما صار هكذا لأن المعرفة من الملائكة على الأبصار ، والمعرفة من الآدميين على القلوب ، والقلب أمير على الجوارح .
فحركات الجوارح كلها من تقلّب القلب بمشيئاته ، ومشيئاته بمشيئات ربه عزّ وجل .
فأي جارحة حركها فإنما محركها قلبه ، والقلب شاخص إلى اللّه عزّ وجل بولهه في تلك الحركة فتلك خدمة منه له ، مأخوذة هذه اللفظة من خدمة الساق ، لأن الآدمي إذا قام منتصبا ، قام على خدمة ساقه ، فهو بالقلب قائم بين يدي ربه عزّ وجل .
ومنه تتأدى الحركات إلى الجوارح ، حتى تظهر على الجوارح . فقيامه ونهوضه إلى ربه عزّ وجل بتلك الحركة هو خدمته ، وهو النية التي ينوي بها العبد في كل عمل .
هامش
( 1 ) ورد لفظكُنْفي القرآن الكريم 11 مرة ، وهي : [ البقرة : 117 ] ، و [ آل عمران : 3 ] ، و [ آل عمران : 59 ] ، و [ الأنعام 73 ] ، و [ الأعراف : 144 ] ، و [ الحجر : 98 ] ، و [ النحل : 40 ] ، و [ النحل : 40 ] ، و [ مريم : 35 ] ، و [ يس : 82 ] ، و [ الزمر : 66 ] ، و [ غافر : 68 ] .