تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياضة النفس ( ويليه نحو القلوب ) — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
فمحال أن يعتقد القلب هذا الفرح حتى يدوم له ذلك ، وتزول عنه أفراح النفس ، ثم يصير في فرحه باللّه عزّ وجل حزينا ، لأنه محبوس عنه برمق الحياة في دار الدنيا ، مشتاق إلى ربه عزّ وجل ، قد أنس به واشتاق إلى لقائه ، واستوحش من الدنيا وأهلها . وهمته ذكر اللّه ، وعبودية شهوته ، وموت راحته ويوم عيده ، وتحقيق ما وصفناه من ضرر فرح النفس . أن اللّه عزّ وجل حرم المعازف ، والخمر على لسان نبيه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم « 1 » . وما نطق به الوحي في شأن الخمر ، وذلك أن اللّه عزّ وجل لما خلق الفرح ، وجعل له بابا . فلما خلق الجنة ، خرجت الأغراس من باب الرحمة ، وخرج غرس العنب من باب الفرح ، فذلك أول ما أكل آدم صلى اللّه عليه وسلم حين دخلها العنب ، فامتلأ فرحا . وروي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم سئل : وما أول ما يأكل أهل الجنة ؟ قال : العنب « 2 » ، وأول ما أكل آدم العنب ، فامتلأ فرحا ، ووضع من الفرح في تلك النار التي فيها الزينة بباب النار التي سميت شهوات . فجعل ذلك الفرح حظ إبليس ، حتى يأخذه فيضعه في الأشياء التي يغوي الآدميين بها ، فلما أضلّ إبليس المشركين بذلك الفرح ، دخل الأشجار وكل معبود من دون اللّه عزّ وجل ، فصوّت منها بذلك الفرح . فكل من يتبع صوته سبى ذلك الفرح قلبه ، حتى يجيبه إلى الشرك ، وإلى عبادته . فهو يرى أنه يعبد الشجرة والوثن ، وإنما يعبد الطاغوت . وإبليس طغى حتى بلغ غاية الطغيان فقيل : طاغوت . وذلك قول اللّه عزّ وجل :
كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
[ المؤمنون 53 ] بأديانهم ، وإنما يفرحون باللّه عزّ وجل ، ولكن غير المقبول منهم ، وهم يحسبون أنهم مهتدون بذلك الفرح لأنهم تناولوه من إبليس ، لا من هداية اللّه عزّ وجل ومعرفته . وإنما وصل إلى غواية آدم صلى اللّه عليه وسلم ، بما استفرحوا بصوته من الفرح .
هامش
( 1 ) في الحديث عن أبي مالك الأشعري سمع النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقول : « ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ، ولينزلنّ أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم ، يأتيهم لحاجة فيقولوا : ارجع إلينا غدا فيبيتهم اللّه ، ويضع العلم ، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة » أخرجه البخاري في الأشربة باب 6 ، حديث 5590 . ( 2 ) الحديث لم أجده في كتب الحديث التي بين يدي .
رياضة النفس ( ويليه نحو القلوب ) — صفحة 64 | الحكيم الترمذي / إبراهيم شمس الدين