تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياضة النفس ( ويليه نحو القلوب ) — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
وانكمن سلطان المعرفة وحلاوتها ولذتها في القلب ، وسلطان العقل وزينته وبهجته في الدماغ ، تحيّر الذهن عن التدبير ، وخمد نور العلم في الصدر ، فظهرت المعصية على الجوارح . وإذا غلب سلطان المعرفة ولذتها وحلاوتها ، وسلطان العقل وزينته وبهجته ، احتدّ الذهن ، واستنار العلم ، وانتشر وأشرف ، وقوي القلب ، فقام منصبا متوجها بعين فؤاده إلى اللّه تعالى ، وجاء المدد والعطاء ، وظهرت العزيمة على ترك المعصية العارضة . فإذا ظهرت العزيمة وجد القلب قوة على زجر النفس ، ورفض ما عزمت عليه ، فانقمعت النفس وذابت ، وسكن غليان الشهوة ، وماتت اللذة ، وسكنت العروق ، ودرست صورة تلك المعصية عن الصدر ، وتخلّص العبد . فأمر بالمجاهدة إذا عرض ذكر شيء على الصدر ، وقد حرم اللّه عزّ وجل الشيء عليه وذلك أنه لما عرض الذكر اهتاجت النفس لما هاجها الهوى ، وأورد العدو الزينة التي وضعت بين يديه ، وجعل له السبيل إلى صدره ليزين . وتلك الزينة هي الفرج الذي وصفنا أنه بباب النار ، فأصله الفرح ، وحشوه الزينة ، وكلاهما من النار خلقا ، سميت شهوة لا هتشاش النفس ، وهو قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « حفّت النار بالشهوات » « 1 » . ولذلك قال عمر رضي اللّه عنه في خطبته : ( إن العدو مع الدنيا ، وأرصاده مع الهوى ، ومكره في الشهوات ) . فإنما يصير العدو إلى العباد مع أفراح الدنيا وزينتها ، ويرصد الهوى الذي يهيج من الآدمي ، ويمكر به إذا اشتهت النفس .
هامش
( 1 ) لفظ الحديث بتمامه : « حفت الجنة بالمكاره ، وحفّت النار بالشهوات » . أخرجه مسلم في الجنة ، حديث 1 ، والترمذي حديث 2559 ، وأحمد في المسند 2 / 260 ، 308 ، 3 / 153 ، 254 ، 284 ، والدارمي 2 / 339 ، والبغوي في شرح السنة 14 / 306 ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين 8 / 626 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 6805 ، وابن المبارك في الزهد 325 ، وابن كثير في البداية والنهاية 12 / 13 ، والآجري في الشريعة 390 ، والقرطبي في تفسيره 4 / 28 ، والعراقي في المغني عن حمل الأسفار 4 / 57 ، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد 8 / 184 ، وابن عدي في الكامل في الضعفاء 5 / 1796 ، 7 / 2661 ، والعجلوني في كشف الخفاء 1 / 416 ، والسيوطي في الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة 74 .