تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياضة النفس ( ويليه نحو القلوب ) — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
وإنما صار مكرا لأن هذه الشهوات بعضها مطلق ، وبعضها محظور ، فيمكر به في المطلق له ، ليجره إلى المحظور عليه ، لأن النفس بلهاء ، فإذا مرّت في الحلال ، فتمكنت منه ، سلست في الحرام ، إذا لم يكن في القلب ما يقيد النفس عن الحرام ، ويقويها حتى لا تسلس ، وقوة القلب من النور فإذا جاهد العبد ، فمن جهاده أن يروّض نفسه فيؤديها . وأدب النفس أن يمنعها الحلال ، [ أدب النفس ] حتى لا تطمع في الحرام ، وذلك أن النفس قد اعتادت لذة التكلم بالكلام ، فإذا لم يلزمها الصمت فيما لا بد منه ، حتى تعتاد السكون عن الكلام فيما لا بد منه ، فقد ماتت شهوة الكلام ، فاستراح وقوي على الصدق ، فلا يتكلم إلا بحق ، فصار سكوته عبادة ، وكلامه عبادة ، لأنه إن نطق نطق بحق ، وإن سكت سكت بحق ، لأنه سكت مخالفة الوبال . وكانت شهوة النظر ، فاعتادت النفس لذة رمي البصر حيثما وقع ، من غير مبالاة ، فإذا لم يلزمها الخفض عما لا بد منه ، وهو أن يكون خاشع الطرف ، خافض النظر ، اعتادت نفسه رمي البصر ، لتدرك الأشياء . فإذا أري الحرام لم يملك بصره ، لأن شهوة النظر قد أخذت بعينه فملكته ، فإذا ألزم عينه الغض عن النظر ، ورمى بها إلى الأرض إذا مشى وقام وقعد ، ماتت شهوة النظر إلى الأشياء ، واعتادت غض البصر وحفظه ، فإذا نظر نظر بحق ، وإذا غضّ غضّ بحق ، وصار نظره عبادة ، وغضه عبادة . وكذلك شهوة السمع واليدين والرجلين والبطن والفرج . فالمجاهدة هاهنا إذا عزم العبد على مجاهدة النفس ، ألزم كل جارحة من هذه الجوارح السبع الفطام عن عملها حلالّا كان أو حراما ، حتى تموت تلك الشهوة . لأن تلك الشهوة هي شهوة واحدة ، أحلّ له بعضها ، وحرّم عليه بعضها ، بلوى من اللّه تعالى لعباده ، وتدبيرا لهم ، فما علم أنه يصلح لهم ويصلحون عليه أطلقه لهم ، وما علم أنه يفسدهم وأنهم يفسدون عليه حظره عليهم فالمطلق حلال ، والمحظور حرام . وذلك مثل الكلام ، فهي شهوة واحدة ، بعضها حلال ، وبعضها حرام ، فالاستماع إلى الأصوات بعضه حلال ، وبعضه حرام ، والنظر إلى الأشياء بعضه حلال ، وبعضه حرام ، والأخذ والإعطاء بعضه حلال ، وبعضه حرام . وكذلك المشي ، والبطن والفرج كذلك ، وإنما هي شهوة واحدة لكل جارحة ،
رياضة النفس ( ويليه نحو القلوب ) — صفحة 38 | الحكيم الترمذي / إبراهيم شمس الدين