المجاهدة « 1 »
فلما كان العبد بهذه الصفة ، أما بالمجاهدة ، فقال عزّ وجل :
وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ
[ الحج : 78 ] .
ثم لما علم أن المجاهدة تشتد وتصلب على العباد ، أخبرهم عن منّته وحسن صنيعه ، وبره ، ولطفه بهم ، فقال عزّ وجل :
هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
[ الحج : 78 ] .
يعلمهم أنه لو لم يجتبيهم ، ولم يوقع اختياره عليهم ، ما كانوا ينالون نور الرحمة ونور المعرفة ، وكانوا أسارى في يد العدو ، وحطبا للنار ، فأخبرهم أنه اجتباهم .
ثم قال عزّ وجل :
وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
[ الحج : 78 ] يعلمهم أني حين ألزمت جوارحكم أمري ونهيي ، لم أضيّق عليكم حتى تحرجوا ، بل أبحت لكم ووسعت عليكم ما لا يضيق عليكم ، حتى تفزعوا إلى الحرام .
ولم أحملكم فرائضي حملا تعجزون عنه ، ووسعت لكم في كل فريضة ما لم يضيق عليكم ، وكل شهوة منعتكم عنها ، أطلقت لكم من بعضها ، فوضعت على كل جارحة من هذه السبع حدا ، ووكلتكم بحفظها .
الجوارح السبع هي : اللسان ، والسمع ، والبصر ، واليدان ، والرجلان ، والبطن ، والفرج ، وجعلت مستقر هذه الشهوة في البطن .
فإن اشتهى الكلام خرج سلطان تلك الشهوة إلى الصدر وإلى القلب ، والقلب أمير على هذه الجوارح ، فإذا غلب سلطان الشهوة وحلاوتها ولذتها على القلب ،
هامش
( 1 ) المجاهدة في اصطلاح الصوفية ، عبارة عن الحرب مع النفس والشيطان . وفي خلاصة السلوك :
المجاهدة : صدق الافتقار إلى اللّه تعالى بالانقطاع عن كل ما سواه . وقال جعفر الصادق :
المجاهدة بذل النفس في رضاء الحق ، وقال أبو عثمان : المجاهدة فطام النفس عن الشهوات ، ونزع القلب عن الأماني والشبهات . ( كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم للتهانوي 2 / 1470 ) .