نور التوحيد ، ونور العقل ، فلما أشرف في صدره ، واستقر الفؤاد وهو القلب إلى ذلك النور ، فعرف ربه عزّ وجل بذلك ، فذلك قوله عزّ وجل :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ
[ الأنعام : 122 ] أي بنور الحياة .
ثم قال تعالى :
وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ
[ الأنعام : 122 ] أي نور التوحيد يمشي من ذلك النور في الناس .
ثم أوله قلبه بذلك النور إليه ، حتى اطمأنت النفس وسكنت إلى أنه وحده لا إله غيره فعندها نطق اللسان عن طمأنينة النفس وموافقتها للقلب بلا إله إلا اللّه ، وذلك قوله عزّ وجل :
وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
[ يونس : 100 ] وهو قوله عزّ وجل :
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ
( 27 ) [ الفجر : 27 ] .
فلما اطمأنت النفس حين رأت تلك الزينة التي زيّن العقل بين عيني الفؤاد توحيد الرب عزّ وجل ، وجدت حلاوة حب اللّه تعالى ، التي وردت على القلب مع نور التوحيد ، فلما رأت تلك الزينة وجدت حلاوة الحب الذي في نور التوحيد ، فعندها اطمأنت وسكنت إلى توحيده ، فشهدت بلا إله إلا اللّه ، وذلك قوله عزّ وجل :
حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ
[ الحجرات : 7 ] .
فلما نالت النفس تلك الزينة كرهت الكفر والفسوق والعصيان .
فالمؤمن إذا أذنب فإنما يعصي بالشهوة والنهمة وهو كاره للفسوق والعصيان ، ومع الكراهية يفسق ويعصي بغفلة ، ولا يقصد الفسق والعصيان كما قصد إبليس .
فتلك الكراهية موجودة فيه ، والشهوة غالبة عليه ، والكراهية من أجل التوحيد الذي فيه ، إلا أن القلب مقهور بما فيه ، والعقل منكمن ، والصدر ممتلئ من دخان تلك الشهوة ، والنفس بما أوردت قاهرة للقلب .
لأن العقل قد غلب ، والمعرفة قد انفردت ، والذهن قد تبدّد ، والحفظ مع العقل منكمن في الدماغ ، والنفس قد قامت على ذنبها ، بما وجدت من القوة في تلك الشهوة ، والعدو يزين ويرجي ويمني المغفرة ، ويدل على التوبة ، حتى يجرئه قلبا ويشجعه .