لأن شعاع العقل قد انقطع ، وحال الغيم بينه وبين الفؤاد ، فصار الفؤاد من الكافر في ظلمة الكفر ، وهي الغلفة التي ذكرها اللّه تعالى في التنزيل :
وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ
[ البقرة : 88 ] وقال تعالى :
بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا
[ المؤمنون : 63 ] . وصار الفؤاد من المؤمن في دخان الشهوات وغيوم الكبر ، فذلك غفلة .
ومن الكبر أصل الغضب والكبر في النفس . لما أحست بما ولى اللّه تعالى من خلقها ، فيبقى ذلك الكبر فيها . فهذه صفة ظاهرة الآدمي وباطنة .
فوقعت الجباية من اللّه تعالى والخيرة على هذا الموحد ، من كل ألف واحد ، وبقي تسع مئة وتسعة وتسعون ، رفع البال عنهم ، وجعل باله لواحد من كل ألف من الآدميين ، فقسم الحظوظ يوم المقادير بالبال ، ورفض من لم يبال به ، فخابوا عن الحظوظ .
فلما استخردهم « 1 » ذرية من الأصلاب استنطقهم ، فاعترف له أهل الحظوظ من باله ، طوعا لقوله عزّ وجل حين قال :
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ
[ الأعراف : 172 ] . واعترف من خاب عن الحظوظ ، ومن لم ينل من باله بقوله :
بَلى
كرها ، فذلك قوله عزّ وجل :
وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً
[ آل عمران : 83 ] ، فيصيرهم فريقين : عن اليمين وعن الشمال .
ثم قال تعالى : هؤلاء في الجنة ولا أبالي ، أي لا أبالي بمغفرتي أن تنالهم ، وهؤلاء في النار ولا أبالي ، أي ولا أبالي بهؤلاء إلى أين يصيرون « 2 » .
ثم ردّهم إلى صلب آدم عليه السلام ، فيخرجهم في أيام الدنيا للأعمال وإقامة الحجة فكل من وقعت عليه جبايته واختياره له ، وصبغ قلبه ، أي غمس قلبه في ماء الرحمة حتى طهر به ، وهو قوله عزّ وجل :
صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً
[ البقرة : 138 ] ثم أحياه بنور الحياة وقد كان قبل ذلك بضعة من لحم جوفا .
فلما أحياه بنور الحياة تحرّك وفتح عينيه اللتين على الفؤاد ، ثم هداه بنوره ، وهو
هامش
( 1 ) استخردهم : كذا بالأصل ، ولعلها : استخرجهم . وفي القاموس المحيط « خرد » : الخريد والخرود : البكر لم تمسس ، أو الخفرة الطويلة السكوت ، الخافضة الصوت المستترة ، وصوت خريد : ليّن عليه أثر الحياء . وأخرد : استحيا .
( 2 ) في الحديث الشريف : عن معاذ قال : إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم تلا هذه الآيةوَأَصْحابُ الْيَمِينِووَأَصْحابُ الشِّمالِفقبض بيديه قبضتين فقال : « هذه في الجنة ولا أبالي ، وهذه في النار ولا أبالي » . أخرجه أحمد في المسند 5 / 239 .