تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ختم الأولياء — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
شرح
( لهم :« وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا ». والسورة واحدة في نفسها ، كالكلام غير التام . فهم ينصتون حتى يتمّها . فجمع الصحابة ، من الإنس ، بين فضيلتين لم يذكرهما رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، وذكر فضل الجن فيما نطقوا به . فان نطقهم تصريح بالعبودية بلسان الظاهر ، وهم بلسان الباطن أيضا عبيد . فجمعوا بين اللسانين بهذا النطق والجواب . ولم يفعل الانس ، من الصحابة ، ذلك عند التلاوة فنقصهم هذا اللسان . فكان توبيخ رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، إيّاهم تعليما بما تستحقه المواطن ، اعني مواطن الألسنة الناطقة ، ليتنبّهوا فلا يفوتهم ذلك من الخير العملي . فإنهم كانوا في الخير العلمي في ذلك الوقت . وحكم العمل في موطنه لا يقاوم العلم ؛ فان الحكم للموطن . وحكم العلم في موطنه لا يقاومه العمل . والجن غرباء في الظاهر . فهم يسارعون في الظهورية ، ليعلموا أنهم قد حصل لهم فيه قدم لكونهم مستورين . فهم إلى الباطن أقرب منهم إلى الظاهر . والتلاوة كانت بلسان الظاهر . والانس في مرتبة الظاهر ؛ فحجبهم عن الجواب ، الذي أجابت به الجن ، كونهم أصحاب موطن الظاهر . فذهلوا عن الجواب لقرينة حال موطنهم . ولو وقوا به لكان أحسن في حقهم . فنبّههم رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، على الأكمل في موطنه ، وهو المعلم فنعم المؤدب ! فمن أراد تحقيق ملك الآلاء ، فليتدبر سورة الرحمن من القرآن ؛ وينظر إلى تقديم الانس على الجن في آيتها وقوله تعالى :« خَلَقَ الْإِنْسانَ »أيضا . فابتدأ به تقديرا ومرتبة نطقية ، تهمّما به على الجن وان كان الجن موجودا قبله . ( وهذا ) يؤذن بأنه وان تأخرت نشأته ( : الانسان ) ، فهو المعتنى به في غيب ربه . لأنه المقصود من العالم لما خصه به من كمال « الصورة » في خلقه « باليدين » « وعلم الأسماء » والاقصاح عما علّمه بقوله :« عَلَّمَهُ الْبَيانَ ». وبعض أصحابنا يطلق ملك الآلآء على ما يحصل للعبد من مزيد الشكر على نعم اللّه . فذلك القدر ، لمن حصل له ، يسمى ملك الالآء : فهو ملك الشاكرين . فمن شكر نعم اللّه بلسان حق ، وناب الحق مناب العبد من اسمه « الشكور » ، وهو شكره لعباده على ما كان منهم من شكرهم على ما أنعم عليهم ليزيدوا في الاعمال في مقابلة شكره ؛ فيكون ما جازاهم به من ذلك على قدر علم الشاكر بالمشكور ، واللّه هو الشاكر في هذا الحال ، وهو العالم بنفسه ، فالجزاء الذي يليق بهذا الشاكر ، لو جوزي ، هو الذي يحصل لهؤلاء الشاكرين الذين لهم هذا الخال : فهذا الجزاء يسمى ملك الآلآء . وهو أعظم الملك . وهو قوله تعالى :« وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ »- اي نعم ربها - جمع آلاء - وإلى ربها المضافة اليه هنا ، الذي يستحقها لو قبل الجزاء الذي هذه صفته ، فتكون تلك جزاء هؤلاء . وهذا من باب ما طلبه اللّه من عباده ، فقال : اذكروني واعبدوني وأطيعوني