تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ختم الأولياء — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
شرح
فتنظر اية مرتبة هي أعم من الأخرى وأعظم : فالمتصف بها أفضل . ففضل أرباب المراتب بفضل المراتب . فقد يزيد ويفضل بعض الناس غيره بشيء ما فيه ذلك الفضل . فان الفضل ، في هذا الوجه ، لا ينظر من حيث إنه زيادة ، ولكن ينظر من حيث اعتبار زيادات لها شرف في العرف والعقل . كالعلم والنجارة والخياطة ؛ والعلم بالأحكام الشرعية ، والعلم بما ينبغي لجلال اللّه . وكل واحد لا يعلم علم الآخر . فيقال : قد فضل النجار على الموحد بالدليل بالنجارة . هذا لا يقال على جهة الفخر والمدح ، بل على جهة الزيادة . ويقال : فضل العالم باللّه النجار على طريق الشرف والفخر . فمثل هذه المفاضلة هي التي تعتبر . وهي ان يزيد كل واحد على صاحبه برتبة تقتضي الحق والشرف . فهذا معنى قوله ( تعالى ) :« فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ »بما يقتضيه الشرف . ونحن نجمع إلى ذلك الزيادة ، فتقول في قوله : « فضلنا بعض النبيين على بعض » اي جعلنا عند كل واحد من صفات المجد والشرف ما لم نجعل عند الآخر . فقد زاد بعضهم على بعض في صفات الشرف . والمراتب التي فضلوا بها بعضهم على بعض ما فيها مفاضلة عندنا ، لارتباطها بالأسماء الإلهية والحقائق الربانية . ولا تصح مفاضلة بين الأسماء الإلهية لوجهين : الواحد ، ان الأسماء نسبتها إلى الذات نسبة واحدة فلا مفاضلة فيها . فلو فضلت المراتب بعضها بعضا ، بحسب ما استندت اليه من الحقائق الإلهية ، لوقع الفضل في أسماء اللّه . فيكون بعض الأسماء الإلهية أفضل من بعض . وهذا لا قائل به عقلا ولا شرعا . ولا يدل عموم الاسم على فضله ، لان الفضيلة انما تقع فيما من شأنه ان يقبل ، فلا يتعمل في القبول ؛ أو فيما يجوز ان يوصف به ، فلا يتصف به . والوجه الآخر ، ان الأسماء الإلهية راجعة إلى ذاته ، والذات واحدة . والمفاضلة تطلب الكثرة ، والشيء لا يفضل نفسه . فاذن ، المفاضلة لا تصح . فمعقول « فضلنا بعض النبيين على بعض » اي أعطينا هذا ما لم نعط هذا ؛ وأعطينا هذا أيضا ما لم نعط من فضله ، ولكن من مراتب الشرف . « فمنهممَنْ كَلَّمَ اللَّهُ »،« وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ( الأصل : ابن )مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ». فمنهم من فضل بأن خلقه بيديه واسجد له الملائكة . ومنهم من فضل بالكلام القديم الإلهي ، بارتفاع الوسائط . ومنهم من فضل بالخلة . ومنهم من فضل بالصفوة ، وهو إسرائيل يعقوب . فهذه كلها صفات شرف ومجد . لا يقال : ان خلته اشرف من كلامه ؛ ولا ان كلامه أفضل من خلقه بيديه . بل كل ذلك راجع إلى ذات واحدة ، لا تقبل الكثرة ولا العدد . فهي بالنسبة إلى كذا مالكة ؛ وبالنسبة إلى كذا عالمة إلى ما نسيت من صفات الشرف . والعين واحدة ! واما المسألة الطفولية ، التي بين الناس واختلافهم في فضل الملائكة على البشر - فاني سألت عن ذلك رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، في الواقعة . فقال لي : ان الملائكة أفضل . فقلت : يا رسول اللّه ، فان سئلت ما الدليل على ذلك فما أقول ؟ فأشار اليّ ان ]