شرح
( وذلك ، ان الأعيان ( هي ) التي عسكروا لها ، وعقدوا مع اللّه ان يبيدوها . فلما توجهوا بعساكرهم ، التي أوردناها ، إليها - كانت آثار تلك العساكر فيها ايجاد أعيانها . وهو خلاف مقصود العارف بهذه العساكر . إذ كان المقصود اذهاب أعيانها ، والحاقها بمن لا عين له .
وما علم أن الحقائق لا تتبدل ، وان آثار العساكر فيها الوجود . ( و ) إذ كان سبق العدم لها ( - لهذه الأعيان ) لعينها ، فلا تؤثر فيها هذه العساكر العدم ؛ لان العدم لها من نفسها ؛ فلم يبق الا الوجود : فوقع غير مقصود العارف . وعلم عند ذلك العارف ان تلك الأعيان مظاهر الحق : فكان منتهاهم اليه ، وبدؤهم ( الأصل : وبدأهم ) منه ، وليس وراء اللّه مرمى !
فان قلت : فالذات ، الغنية عن العالمين ، وراء اللّه . - قلنا : ليس الامر كما زعمت ، بل اللّه وراء الذات متقدمة . وليس وراء اللّه مرمى ! فان الذات متقدمة على المرتبة ( - مرتبة الألوهية ، اللّه ) في كل شيء ، بما هي مرتبة لها : فليس وراء اللّه مرمى !
فحصّلوا ( - هذه الطبقة من الأولياء ) من العلم باللّه ، ما لم يكن عندهم ، بالقصد الأول حين حازوا العساكر . وكان الذي حجبهم ، ابتداء ، عن هذه المعرفة ، غيرتهم ان يشترك الحقّ مع كون من الأكوان : في حال ، أو عين ، أو نسبة . فلهذا كان مقصودهم ان يلحقوا الأعيان بمطلق العدم .
و ( هذا ) هو المقام ، الذي تشير اليه الباطنية بقولها ، في جواب من يقول لها : اللّه موجود ؟ - فتقول : ( اللّه ) ليس بمعدوم ! فإذا قلت لهم : اللّه حيّ ؟ - فيقولون ( الأصل :
تقول ) : ليس بميت ! فان قيل لهم : فاللّه قادر ؟ - قالوا ( الأصل : قالت ) : ليس بعاجز ! فلا تجيب ( هذه الطائفة ) قط بلفظة تعطى الاشتراك في الثبوت ؛ فتجيب بالسلب !
وهذا كله من باب الغيرة . ولا تقدر ( هذه الطبقة من الأولياء ) تنفي الأعيان ، فتستعين بهؤلاء العساكر على اعدام هذه الأعيان ، وزوال حكم الثبوت منها . فتجد العساكر توجدها ، وتكسوها حلة الوجود . فإذا رأت انها مظاهر الحق ، رضيت بان تبقيها أعيانا ثابتة ( في عدمها الأصلي ) ، ولا تراها موجودة ( فعلا ) . ويكون عين شهودها ، ناظرة فيها ، إلى وجود الحق ؛ وانه لا وجود اكتسبته من الحق ( فنسب إليها ) ، بل حكمها مع ( هذا ) الوجود حكمها ولا وجود ؛ وان الذي ظهر ما هو غير ( الوجود الحق ، الذي هو وجود لا بشرط شيء ) . هذا غايتها ! وهو قوله ( تعالى ) :« إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها ». فكان منتهاها ربها !
فاما من كانت عساكره العزائم ، فمنتهاه إلى الرخص من طريقين . الطريق الواحدة ، أحدية المحبة فيهما ، فيكون منتهاهم إلى شهودها . وهو الذي أشار اليه ، صلى اللّه عليه وسلم ، بقوله : « ان اللّه يحب ان تؤتى رخصه ، كما يحب ان تؤتى عزائمه » . فينحل عقد الاخذ بالعزائم بهذه المشاهدة لكونه يفوته من العلم باللّه على قدر ما فاته من الاخذ بالرخصة . والطريقة