شرح
( واما علم الجمع والتفرقة ، فهو البحر المحيط ، الذي اللوح المحفوظ جزء منه . ومنه يستفيد العقل الأول ؛ وجميع الملأ الأعلى منه يستمدون . وما ناله أحد ، من الأمم ، سوى أولياء هذه الأمة . ونتنوع تجلياته ، في صدورهم ، على ستة آلاف ومئين . فمن الأولياء من حصّل جميع هذه الأنواع ، كأبي يزيد البسطامي ، وسهل بن عبد اللّه . ومنهم من حصّل بعضها .
وقد كان للأولياء ، في سائر الأمم ، من هذه العلوم نفثات روح في روع : وما كمل الا لهذه الأمة تشريفا لهم وعناية بهم ، لمكانة نبيهم ، سيدنا محمد ، صلى اللّه عليه وسلم ! وفيه من خفايا العلوم ، التي هي بمنزلة الأصول ، ثلاثة علوم . علم يتعلق بالالهيات ، وعلم يتعلق بالأرواح العلوية ، وعلم يتعلق بالمولدات الطبيعية .
فأما ما ( الأصل : فما ) يتعلق منه بالالهيات ، ( فهو ) على قدم واحدة لا يتغير ، وان تغيرت تعلقاته . والذي يتعلق منه بالأرواح العلوية ، فيتنوع من غير استحالة . والذي يتعلق بالمولدات الطبيعية ، يتنوع ويستحيل باستحالاتها . وهو المعبر عنه « بأرذل العمر ، لكيلا يعلم ، من بعد علم ، شيئا » . فان المواد ، التي حصل له منها هذا العلم ، استحالت فالتحق العلم بها ، بحكم التبعيّة .
وكما هي أصولها ثلاثة ( الأصل : ثلاث ) علوم ، فالأولياء فيها على ثلاث طبقات . الطبقة الوسطى منهم ، لهم مائة الف منزل وثلاثة وعشرون الف منزل وستمائة الف منزل وسبعة وثمانون منزلا أمهات . يحتوي كل منزل منها على منازل لا يتسع الوقت لحصرها ، لتداخل بعضها في بعض ( الأصل : بعضها ) ، ولا ينفع فيها الا الذوق خاصة . وما بقي من الاعداد ، فمقسّم بين الطبقتين . وهما اللذان ظهرا برداء الكبرياء وازار العظمة غير أن لهما ، من ازار العظمة ، مما يزيد على هذا ، الذي ذكرناه ، الف منزل وبضعة وعشرون منزولا .
( و ) لهذه المنازل خصوص وصف لا يوجد في منازل رداء الكبرياء . وذلك ان رداء الكبرياء ، مظهره من الاسم الظاهر ؛ والإزار مظهره من الاسم الباطن . والظاهر هو الأصل ، والباطن نسبة حادثة ؛ ولحدوثها كانت لها هذه المنازل . فان الفروع محل الثمر ، فيوجد في الفرع ما لا يظهر في الأصل ، وهو الثمرة . وان كان مددهما من الأصل ، وهو الاسم الظاهر ، لكن الحكم يختلف .
فمعرفتنا بالرب تحدث عن معرفتنا ( في الأصل : معرفة ) بالنفس ، لأنها الدليل : « من عرف نفسه ( فقد ) عرف ربه » . وان كان وجود النفس فرعا عن وجود الرب . فوجود الرب هو الأصل ، ووجود العبد فرع . ففي مرتبة يتقدم ، فيكون له الاسم « الأول » ؛ وفي مرتبة يتأخر ، فيكون له الاسم « الآخر » . فيحكم له بالأصل ، من نسبة خاصة ؛ ويحكم له بالفرع ، من نسبة أخرى . هذا ( ما + ) يعطيه النظر العقلي .
واما ما تعطيه المعرفة الذوقية ، فهو انه ظاهر + من حيث هو باطن ؛ وباطن من عين