ونحن في ذلك وإذا الحسين بن منصور قد خرج إلينا ، فرأيته حسن الوجه نظيف الحلة ، عليه صوف أبيض ، والشيخ بفوطة رملية وفي رجله نعل طاق عالي وقد علاه الهيبة ، فسلم علي وقال : من أين الفتى ؟ قلت : من شيراز . فسألني عن المشايخ فأخبرته . ثم قال : من أي ناحية وردت الساعة ؟ قلت : من مكة . فسألني عن مشايخ مكة فأخبرته . قال : رأيت مشايخ بغداد ؟ قلت : نعم ، فسألني عن أبي العباس بن عطاء . قلت : في عافية . قال : إذا لقيته فقل له : احتفظ بتلك الرقاع .
ثم قال : كيف دخلت علي ؟ فقلت : توسلت ببعض الجند ممن كان معارفي بشيراز .
قال : ونحن في ذلك حتى دخل عليه أمير الحبس وهو يرتعد فقبل الأرض بين يديه ، فقال : ما لك ؟ فقال : قد سعي بي إلى أمير المؤمنين أني أخذت رشوة ، وخليت أميرا من الأمراء ، وجعلت بدله رجلا من العامة ، وهأنذا أحمل لتضرب رقبتي . فقال له : امض ، لا بأس عليك وذهب الرجل ، فقام الحسين بن منصور إلى صحن الدار ، وبرك على ركبته ورفع يديه ، وأشار بالمسبحة إلى السماء وهو يقول : يا رب ، ثم طأطأ رأسه حتى وضع خده على الأرض وبكى حتى ابتلت الأرض من دموعه وصار كالمغشي عليه ، وهو على تلك الحالة ، حتى دخل أمير الحبس فجلس ، فقال : ما وراءك ؟ قال : قد عفي عني . ثم قام ورجع إلى موضعه وقال له : إيش قال لك ؟ قال : قال لي : إني دعوتك لأضرب رقبتك ، والآن فقد عفوت عنك ، فلا تعد إلى مثل هذا . قلت : قد كذبوا علي . فخلع علي وأعطاني جائزة وصدقني .
قال : وكان الحسين بن منصور جالسا في طرف الصّفة ، وفي آخر الصّفة منديل صغير عند الدّست . وكان طول الصّفة قريبا من خمسة عشر ذراعا باليد أو أكثر فمد يده إليه فأخذه ، فلا أدري طالت يده أم جاء المنديل إليه فمسح به وجهه .
وخرجت من عنده وقصدت أبا العباس بن عطاء ، وحكيت له ما جرى فقلت : قال لك : احتفظ بالرقاع . قال : قل له : إن تركتك ! ! .
[ 14 ]
سمعت أبا الحسن بن أبي توبة قال : سمعت حمدا الأصفهاني قال : دخل الحسين بن منصور أصبهان ، ودخل على علي بن سهل ، وكان يتكلم في علم