وأصلب وأحرق ، وأحمل على الساقيات الذاريات . وإن الذرة من ينجوج مظان هيكل متجلياتي لأعظم من الراسيات . ثم أنشأ يقول : [ من البسيط ]
أنعى إليك نفوسا طاح شاهدها * فيما ورا الحيث يلقى شاهد القدم
أنعى إليك قلوبا طالما هطلت * سحائب الوحي فيها أبحر الحكم
أنعى إليك لسان الحقّ مذ زمن * أودى وتذكاره في الوهم كالعدم
أنعى إليك بيانا تستكين له * أقوال كلّ فصيح مقول فهم
أنعى إليك إشارات القلوب معا * لم يبق منهنّ إلّا دارس الرّمم
أنعى وحقّك أخلاقا لطائفة * كانت مطاياهم من مكمد الكظم
مضى الجميع فلا عين ولا أثر * مضيّ عاد وفقدان الألى إرم
وخلّفوا معشرا يجرون لبستهم * أعيا من البهم بل أعيا من النّعم
ثم سكت . فقال أحمد بن فاتك : أوصني يا سيدي . فقال : هي نفسك ، إن لم تشغلها شغلتك . فلما أصبحنا خرج من الحبس ، ورأيته يتبختر في قيده ويقول : [ من الهزج ]
نديمي غير منسوب * إلى شيء من الحيف
سقاني مثلما يشر * ب ، فعّل الضّيف بالضّيف
فلمّا دارت الكأس * دعا بالنّطع والسّيف
كذا من يشرب الرا * ح مع التنين في الصيف
ثم حمل وقطعت يداه ورجلاه بعد أن ضرب خمسمائة سوط ، ثم صلب .
فسمعته وهو على الجذع يناجي ويقول : إلهي أصبحت في دار الرغائب أنظر إلى العجائب . إلهي ، إنك تتودد إلى من يؤذيك ، فكيف لا تتودد إلى من يؤذى فيك .
ثم رأيت أبا بكر الشبلي وقد تقدم تحت الجذع وصاح بأعلى صوته يقول :
أو لم أنهك عن العالمين .
ثم قال له : ما التصوف ؟ قال : أهون مرقاة فيه ما ترى . فقال : فما أعلاه ؟
قال : ليس لك إليه سبيل ، ولكن سترى غدا ما يجري ، فإن في الغيب ما شهدته وغاب عنك .
فلما كان العشي جاء الإذن من الخليفة أن تضرب رقبته ؛ فقالوا : قد أمسينا ويؤخر إلى الغداة . فلما أصبحنا أنزل من الجذع وقدم لتضرب رقبته ، فسمعته يصيح ويقول بأعلى صوته : حسب الواجد إفراد الواحد له ، وقرأ هذه الآية :
يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ
« 1 »
هامش
( 1 ) الشورى : 18 .