تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ديوان الحلاج — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
ثم كثرت الأقاويل عليه بعد رجوعه من هذه السفرة ، فقام وحج ثالثا ، وجاور سنتين ثم رجع وتغير عما كان عليه في الأول ، واقتنى العقار ببغداد ، وبنى دارا ، ودعا الناس إلى معنى لم أقف إلا على شطر منه . حتى خرج عليه محمد بن داود وجماعة من أهل العلم ، وقبحوا صورته عند المعتضد . ووقع بين علي بن عيسى وبينه لأجل نصر القشوري . ووقع بينه وبين الشبلي وغيره من مشايخ الصوفية . فكان يقول قوم : إنه ساحر ، وقوم يقولون : مجنون ، وقوم يقولون : له الكرامات وإجابة السؤال . واختلفت الألسن في حقه حتى أخذه السلطان وحبسه . فذهب نصر القشوري واستأذن الخليفة أن يبني له بيتا في الحبس ، فبنى له دارا صغيرة بجنب الحبس . وسدوا باب الدار ، وعملوا حواليه سورا ، وفتحوا بابه إلى الحبس ، وكان الناس يدخلون عليه قريبا من سنة ، ثم منع الناس ، وبقي خمسة أشهر لا يدخل عليه أحد ، إلا مرة رأيت أبا العباس بن عطاء الآدمي كان قد دخل عليه بالحيلة . ورأيت مرة أبا عبد اللّه بن خفيف . وأنا كنت برا عند والدتي بالليل ، وبالنهار عنده ، ثم حبسوني معه شهرين ، وحين حبسوني كان لي خمس عشرة سنة . فلما كانت الليلة التي أخرج في صبيحتها والدي من الحبس ، قام فصلى ركعات ، فلما فرغ من صلاته لم يزل يقول : مكر ، مكر ، إلى أن مضى من الليل أكثره ، ثم سكت طويلا ثم قال : حق ، حق . ثم قام قائما وتغطي بإزار واتزر بمئزر ومد يديه نحو القبلة وأخذ في المناجاة ، وكان خادمه أحمد بن فاتك حاضرا ، فحفظ لنا بعضها . فكان من مناجاته : نحن شواهدك نلوذ بسنا عزتك ، لتبدي ما شئت من شأنك ومشيئتك ، فأنت الذي في السماء إله وفي الأرض إله ، يا مدهر الدهور ، ومصور الصور ، يا من ذلت له الجواهر وسجدت له الأعراض ، وانعقدت بأمره الأجسام وتصورت عنده الأحكام . يا من تجلى لما شاء كما شاء كيف شاء ، مثل التجلي في المشيئة لأحسن الصورة . والصورة هي الروح الناطقة التي أفردته بالعلم والبيان والقدرة . ثم أو عزت إلى شاهدي في ذاتك الهوى اليسير لما أردت بدايتي ، وأظهرتني عند غضب كراتي ، ودعوت إلى ذاتي بذاتي ، وأبديت حقائق علومي ومعجزاتي صاعدا في معارج إلى عروش أوليائي ، عند القول من برياتي ، إني أحتضر وأقتل