يا سبحان اللّه ! ! كيف لا تدهش ولا يذهب عقلك تعجبا من أمرك ؟ ؟
فراجع أمرك . . وانظر ما يراد منك . . . فإنما يراد منك إذا عملت عملا أن تريد به وجه اللّه أو لا تعمله . فهل تكون أقل من هذا ؟ هذا في نوافلك . . . وأما فرائضك فإنك غير معذور في تضييع مثقال ذرة منها « 1 » ، حتى تعمل بما أمرت به ، وتنتهي عما نهيت عنه . . .
وما كلّفت أمرا لا تطيعه . . وما كلّفت ما لم يكلّف به غيرك .
ويراد منك مع ذلك : أن تريد للناس الخير . . وإن لم ترد لهم الخير فلا ترد لهم الشر . . فهل تكون أقل من هذا ؟ أو ترضى لنفسك أن الناس يريدون لك الخير ، وأنت تريد لهم الشر ؟
ويراد منك : ألا تجعل نفسك فوق الناس في نفسك . . . لا بقلبك ولا بلسانك .
أفتكون أقل من هذا ؟ وقد دعيت أنت والناس إلى هذا ، لا أنت وحدك .
المخادعون . . . المتاجرون بالدين :
وقال : أخبرني . . . إن أنت خالفت هذا الأمر ، وأردت بعملك غير اللّه ، وأردت أن ترفع نفسك فوق الناس ، أو لم تحب لهم ما تحب لنفسك أتدرك أو تنال ما تأمل من ذلك ؟ .
أو لست تعلم أنك أبعد ما تكون من اللّه إذا كنت كذلك ؟
ومع هذا لا أراك تطلب الدنانير والدارهم فتنتفع بها ، وترفق بها في أيامك هذه ، وإنما تطلب بذلك الثناء والجاه والقدر . . وقد اخترت سيرة تستوجب بها البغض من خالفك ، وتستوجب البغض أيضا ممن وافقك عليها لو ظهر من أمرك ما خفي ، ولا بد من أن يظهر يوما ما .
وقال : الصبر ما ترك الناس عذرا ولا حجة . . . فمن لم يلق اللّه بما أمره بحلاوة الرضا ، فليلقه بالصبر ، وكراهته ، ومن لم يلق اللّه ببغض ما نهاه عنه ، فلا يلقاه بالحب له ، بل بالصبر « 2 » ، فما ترك الصبر للناس حجة .
هامش
( 1 ) يريد : إنما يراد منك في فرائضك أن تريد بها وجه اللّه . ولا يباح لك ، ألا تعملها إن لم ترد بها وجه اللّه كما في أعمال النوافل .
( 2 ) في الأصل ( والصبر ) . وعليه يكون المعنى في غاية الاضطراب ، إذ يكون ( لا يلقاه بالحب له ولا بالصبر ) . وهو لاوله . والمراد بالصبر الأول الصبر على الطاعة . وبالصبر الثاني الصبر عن المعصية .