فيك ، وتكون من أهله ، بل لا أزعم أنك تحبه ، ولكنك مخدوع أو مخادع في دعواك أنك تحبه .
يا أخي . . . هل رأيت عطشان استمكن من الماء البارد فلم يشربه إلّا مدع للعطش ليس بعطشان ؟
أو هل رأيت جوعان وجد طعاما قد أمكنه ، فلم يأكله إلّا مدع للجوع ليس بجوعان ؟
فما أبين إبطال دعواك فيما تزعم أنك تحب الخير وأهله إذا قست ما تحب من الدنيا بما تحب من الآخرة ، لأني أراك إذا أحببت شيئا من الدنيا ، أحببت ألا يكون له مالك غيرك . . هذا هو الحب الصادق بعينه . . فإذا أحببت شيئا من أعمال الصالحين - فيما تزعم - فليس شيء أثقل عليك من أن تكون أنت صاحبه . . . ولو كنت محبا له لأحببت ألّا يكون أحد سبقك . . ولا يملك منه أكثر من الذي تملك .
يا أخي . . . أما آن لك أن تملّ وتشبع من الكذب ، والاغترار باللّه تعالى ؟ أما آن لك أن تحب ان يكون اسمك يوما واحدا من جميع عمرك مع أسماء الصالحين المتواضعين ، المخلصين الناصحين ، الشاكرين الراضين ، الصابرين المسلمين ، الواثقين المتوكلين ، المفوضين الخائفين ، المشتاقين العارفين ، العالمين الموقنين .
بحق أقول لك . . . لو مات أحد من العجب كان ينبغي لك أن تموت مكانك إذا نظرت فيما أنت فيه من إيثارك للدنيا ، وإقبالك عليها ، مع استيقانك بأنها لا شيء ، ورضاك بترك طريق الصالحين ، وأهل الخير ، وصحبة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، ومجاورته في الجنة .
فلو كانت صحبته في الدنيا ، ثم تركت الدنيا كلها ، وأثرت صحبته ، لكان الذي تركت حقيرا عند الذي نلت ، فكيف الصحبة في الجنة ، مع دوام الملك في جوار اللّه ، وجوار أحبابه ، مع الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا . . . في الحبرة والنعمة والسرور الدائم الأبدي ؟
فراجع نفسك يا أخي . . . وانظر ما في هذه المخادعة . . . وما الذي قد غلبك ، وغلب يقينك ، أو ما هذه الخدعة التي دخلت عليك ؟
وفكر فيما تصير اليه من موازنة عملك ، وسؤال اللّه إياك عن مثاقيل الذر والخردل ، وما فوق ذلك ، ودون ذلك .
وفكر في سرعة انقضاء الأجل ، وعليك بقصر الأمل ، فلا تفارقه ولا يفارقك طرفة عين ، لا في ليل ولا في نهار .
آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم ) — صفحة 98
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٩٨